كشفت أسواق المواشي في جنوب قطاع غزة حجم الانهيار الذي أصاب واحدة من أبرز شعائر عيد الأضحى، بعدما بدت الحظائر القديمة شبه فارغة، وتحول اقتراب العيد إلى مشهد مثقل بالحسرة، في ظل غياب الأضاحي عن بيوت الغزيين للعام الثالث على التوالي بسبب الحرب والحصار وارتفاع الأسعار.
وتكشف هذه الأزمة وجها آخر من وجوه الكارثة الإنسانية في غزة، إذ لم يعد العيد مناسبة قادرة على جمع العائلات أو إدخال الفرح إلى البيوت، بل صار تذكيرا يوميا بالعجز والنزوح والفقر، بعدما حرم الاحتلال السكان من الغذاء والأمان وطقوسهم الدينية والاجتماعية الأساسية.
حظائر فارغة وبيوت محرومة من فرحة العيد
في أحد أسواق المواشي القديمة جنوب قطاع غزة، يقف الحاج أبو صالح أمام عشرات الحظائر الخالية، مستعيدا أعواما كان فيها العيد يبدأ بشراء الأضحية وتجهيزها وتقسيم لحمها بين الأقارب والمحتاجين، قبل أن تقطع الحرب والحصار هذه العادة التي بقيت جزءا أصيلا من ذاكرة الأسر الغزية.
وقال أبو صالح إن أسرته لم تتمكن من شراء أضحية منذ 3 سنوات، موضحا أن الحرب والحصار وارتفاع الأسعار حرموا الغزيين من شعيرة كانت تجمع العائلة وتدخل الفرح إلى البيوت، بعدما صارت الأضحية بعيدة عن قدرة معظم السكان في القطاع.
وأضاف الرجل الستيني أن حرمان السكان من الأضاحي لا يمثل أزمة موسمية عابرة، بل جريمة إنسانية تمس أبسط الحقوق الدينية والاجتماعية، لأن الأضحية في غزة لم تكن مجرد ذبح وشراء، بل كانت مناسبة للتكافل وصلة الرحم ومساندة الفقراء في يوم العيد.
ويرى أبو صالح أن عيد الأضحى فقد معناه الحقيقي داخل القطاع، بعدما غابت الزيارات الواسعة وتفرقت الأسر بفعل النزوح والفقر، فلم تعد فرحة العيد تبدأ من الحظيرة ولا من لمّة العائلة، بل من محاولة النجاة وتأمين الطعام في يوم يفترض أن يحمل البهجة.
وبينما كانت الأسواق تستقبل المشترين والتجار قبل العيد بأيام، تبدو الصورة الحالية معاكسة تماما، إذ لا مواش كافية ولا قدرة على الشراء ولا حركة طبيعية في الأسواق، ليصبح الفراغ داخل الحظائر مرآة لفراغ أكبر داخل البيوت التي فقدت مظاهر العيد المتوارثة.
أسعار خيالية وثروة حيوانية مدمرة
يأتي عيد الأضحى هذا العام وسط واقع اقتصادي وإنساني شديد القسوة، بعد أن دمرت الحرب المستمرة والحصار المشدد قطاع الثروة الحيوانية بصورة شبه كاملة، وتسبب منع إدخال المواشي والأعلاف واللقاحات عبر المعابر في اختفاء الكميات وارتفاع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
وقال مدير الغرفة التجارية في قطاع غزة، الدكتور ماهر الطباع، إن القطاع يعيش العام الثالث على التوالي من دون أضاح حقيقية، مؤكدا أن الاحتلال دمر معظم مكونات قطاع الثروة الحيوانية، ومنع دخول المواشي والأعلاف واللقاحات، بما جعل السوق عاجزة عن تلبية احتياجات السكان.
وأوضح الطباع لـ عربي21 أن متوسط سعر الخروف قبل الحرب كان يقارب 500 دولار، بينما يتراوح السعر اليوم بين 6 آلاف و7 آلاف دولار، وهو فارق يجعل الأضحية خارج قدرة العائلات العادية وحتى كثير من الأسر التي كانت تعد نفسها قادرة قبل الحرب.
وأشار الطباع إلى أن الأزمة لا تقف عند الأضاحي وحدها، بل ترتبط بانهيار أوسع في الظروف المعيشية، حيث تجاوزت البطالة 80 بالمئة، وتخطت نسبة الفقر 90 بالمئة، فيما يعاني أكثر من مليون وستمائة ألف فلسطيني من انعدام الأمن الغذائي وفق تقارير دولية حديثة.
وحمل الطباع الحصار الإسرائيلي المسؤولية المباشرة عن تفاقم الكارثة، بسبب الإغلاق المتكرر للمعابر والقيود المفروضة على دخول المساعدات والبضائع الأساسية، مؤكدا أن منع تدفق السلع والحاجات الحيوية جعل موسم العيد جزءا من أزمة يومية لا تتوقف عند مناسبة محددة.
وتظهر الأزمة بشكل أكثر وضوحا في شهادة أبو راشد، وهو تاجر مواش، إذ قال إن الكميات المتوافرة في الأسواق لا تتجاوز 5 بالمئة مما كان موجودا قبل الحرب، ما جعل الأسعار محكومة بندرة شديدة لا تسمح إلا لقلة قليلة بالتفكير في الشراء.
وشرح أبو راشد لـ عربي21 أن سعر الخروف الذي يزن 45 كيلوغراما وصل إلى نحو 14 ألف شيكل، أي ما يعادل قرابة 4 آلاف دولار، بينما تراوحت أسعار بعض الأنواع بين 6 آلاف و10 آلاف دولار، في قفزة لا تقارن بما قبل الحرب.
ولم تتوقف الزيادات عند الخراف، إذ ارتفع سعر الجدي الصغير الذي كان يباع قبل الحرب بنحو ألف شيكل إلى ما بين 11 ألفا و15 ألف شيكل، بينما تجاوز سعر العجل أو البقرة الواحدة 30 ألف دولار، بما أغلق الباب عمليا أمام الأضاحي.
ويعزو أبو راشد هذا الارتفاع إلى استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال المواشي الحية، إضافة إلى النقص الحاد في الأعلاف واللقاحات، موضحا أن أعداد الأغنام تراجعت من نحو 60 ألف رأس قبل الحرب إلى ما يقارب 3 آلاف رأس فقط.
عيد بلا ملامح وأطفال بلا أمان
لا تتوقف تداعيات غياب الأضاحي عند الجانب الاقتصادي أو الديني، إذ تمتد الأزمة إلى الأثر النفسي والاجتماعي، خاصة على الأطفال الذين يعيشون تفاصيل الحرب والحرمان يوميا، ويفقدون مع كل مناسبة جزءا جديدا من الإحساس بالحياة الطبيعية والاستقرار الأسري.
وقالت المتخصصة في الإرشاد والصحة النفسية، الدكتورة سامية جبري، إن اختفاء طقوس العيد من حياة أطفال غزة لا يعني غياب فرح مؤقت فقط، بل يعني فقدان أحد أهم مصادر الشعور بالأمان، لأن المناسبات المتكررة تمنح الطفل إحساسا بأن الحياة ما زالت قابلة للاستمرار.
وأوضحت جبري لـ عربي21 أن الأعياد توفر للأطفال علامات واضحة على الحياة الطبيعية، مثل الملابس الجديدة والزيارات والاجتماع العائلي، بينما يؤدي غياب هذه العلامات في ظل الحرب إلى زيادة مشاعر الحزن والقلق والارتباك، خصوصا عندما يقارن الطفل بين الماضي والحاضر.
وأضافت أن الطفل يشعر بأن الحياة فقدت شكلها الطبيعي عندما يغيب العيد بملابسه وزياراته وأجوائه الأسرية، وهو ما يعمق داخله مشاعر الخوف والحرمان، خاصة إذا تزامن ذلك مع النزوح وفقدان المنزل وتراجع قدرة الأسرة على توفير أبسط الاحتياجات اليومية.
ولفتت جبري إلى أن مشاعر العجز لدى الآباء تنعكس مباشرة على الأطفال وعلى العلاقات داخل الأسرة، إذ يزداد الضغط النفسي عندما يعجز الأب أو الأم عن إدخال الفرح إلى الأبناء، أو عن توفير الطعام والملابس وأجواء العيد التي اعتادتها العائلة.
وأكدت أن العيد، الذي يفترض أن يكون مناسبة للفرح، قد يتحول في ظروف الحرب والنزوح إلى مصدر إضافي للضغط النفسي، لأن العائلات تقارن بين أعياد ما قبل الحرب والواقع الحالي، فتتسع مشاعر الفقد والعجز داخل البيوت ومراكز النزوح.
وحذرت جبري من أن غياب المناسبات الجماعية يضعف الروابط المجتمعية ويزيد العزلة، خصوصا لدى العائلات النازحة أو التي فقدت أفرادا من أبنائها خلال الحرب، لأن العيد كان مساحة للزيارة والمواساة والتواصل، بينما فرض الواقع الحالي تباعدا قسريا بين الناس.
ورغم قسوة المشهد، تحاول بعض العائلات خلق بدائل بسيطة للحفاظ على التماسك النفسي والاجتماعي، من خلال اللعب مع الأطفال أو رواية الحكايات أو إعداد أجواء أسرية متواضعة، في محاولة لمنح الصغار شعورا محدودا بأن العيد لم يختف تماما.
لكن العيد يبقى ناقصا في نظر كثير من الغزيين، فلا موائد عامرة كما كانت، ولا حركة أسواق، ولا زيارات واسعة، بينما تتحول أمنيات الأطفال من ألعاب وملابس جديدة إلى الحصول على وجبة طعام أو ليلة هادئة، في ظل واقع يضغط على الجميع.
وفي غزة، حيث تتراكم آثار الحرب عاما بعد آخر، لم يعد غياب الأضحية تفصيلا موسميا، بل صار عنوانا لحياة كاملة تسلب منها أبسط مظاهر الفرح والكرامة، ويصبح عيد الأضحى شاهدا جديدا على حصار يحرم الناس من الشعيرة والعيش والطمأنينة.

