كشفت مطالبات محلية في محافظة البحيرة عن استمرار إهمال بحيرة نبع الحمرا في وادي النطرون، رغم ارتباطها بمسار العائلة المقدسة وامتلاكها خصائص بيئية وعلاجية نادرة، بينما يؤدي غياب التطوير والخدمات إلى تراجع فرص تحويلها إلى مقصد للسياحة الدينية والعلاجية.
وتضع هذه الواقعة الحكومة أمام مسؤولية مباشرة، لأن الدولة تروّج لمسار العائلة المقدسة كمشروع سياحي وتنموي، لكنها تترك إحدى نقاطه الطبيعية بلا حماية كافية ولا بنية تحتية مناسبة، في وقت يدفع فيه الأهالي والزوار ثمن التلوث وتعثر الاستثمار وغياب الإدارة الجادة.
رواية عين مريم تمنح البحيرة موقعا دينيا على مسار العائلة المقدسة
وتقع بحيرة نبع الحمرا في قلب صحراء وادي النطرون، وتتميز بظاهرة طبيعية لافتة تجمع بين مياه شديدة الملوحة وعين مياه عذبة تتدفق داخل البحيرة، وهو مشهد منحها حضورا خاصا بين المواقع البيئية النادرة في محافظة البحيرة.
وترتبط البحيرة بعدة روايات تاريخية ودينية، أبرزها رواية مرور السيدة مريم العذراء والعائلة المقدسة بالمنطقة وشربها من مياه النبع، لذلك يطلق عدد من الأهالي والباحثين على العين اسم عين مريم، بينما تطرح روايات أخرى احتمال ظهورها بعد أعمال تنقيب بريطانية عن البترول خلال القرن 19.
وتقول الدكتورة شهد البياع، مفتش آثار وادي النطرون، إن أهمية البحيرة لا تنفصل عن ما أورده البابا ثاؤفيلس في القرن 4 الميلادي بشأن زيارة السيدة مريم للمكان، وهو ما يمنح الموقع قيمة دينية تتجاوز حدود الرواية الشعبية المتداولة بين أهالي المنطقة.
ويضيف الراهب القمص عزرا بيشوي أن عددا من المؤرخين، بينهم المقريزي والطبري والأمير عمر طوسون، أشاروا إلى ارتباط النبع برحلة العائلة المقدسة وتحول مياهه إلى العذوبة، ويجعل هذا التوثيق الديني والتاريخي إهمال البحيرة تفريطا في جزء من ذاكرة وادي النطرون.
مياه مالحة ونبع عذب وخصائص علاجية تنتظر فحصا علميا منظما
وفي المقابل، اكتسبت بحيرة نبع الحمرا شهرة واسعة بسبب ما يتناقله الأهالي عن الخصائص العلاجية لمياهها الكبريتية والطين المحيط بها، خصوصا في التعامل مع بعض الأمراض الجلدية والروماتيزم والتهابات المفاصل، لكن هذه الشهرة الشعبية تحتاج إلى برنامج علمي معلن يثبت الحدود الطبية الآمنة للاستخدام.
ويقول الكيميائي أحمد عقدة إن مياه البحيرة تحتوي على نسب مرتفعة من أملاح البوتاسيوم والكبريتات وبيكربونات البوتاسيوم، وهي مكونات تدخل في تركيب ملح النطرون الذي استخدمه المصري القديم في التحنيط والنظافة الشخصية، كما تمنح مركبات الكبريت المياه خصائص مضادة للالتهابات.
وتفيد شهادات من أبناء وادي النطرون بأن عددا من الأهالي خاضوا تجارب استشفاء بمياه البحيرة والطين المحيط بها وحققوا نتائج إيجابية، إلا أن غياب الإشراف الطبي والبيئي يحول هذه التجارب إلى ممارسات فردية بلا إطار رسمي يحمي الزائر ويمنع الاستغلال العشوائي للمكان.
كما تمثل البحيرة متنفسا طبيعيا لأهالي وادي النطرون خلال الأعياد وفصل الصيف، ويستخدم بعض السكان النباتات المحيطة بها مثل الخوص والبوص في صناعات تقليدية بسيطة، وهو ما يربط الموقع بمعيشة محلية كان يمكن تطويرها بدل تركها رهينة للمبادرات الفردية.
قمامة وخدمات غائبة وتعثر محمية طبيعية في ملف حكومي مؤجل
ورغم هذه القيمة التاريخية والجيولوجية والعلاجية، لا تزال بحيرة نبع الحمرا خارج التصنيف الرسمي كمحمية طبيعية، ولا تزال الحكومة تتعامل معها كملف مؤجل، بينما يطالب الأهالي بتحويلها إلى مقصد منظم للسياحة البيئية والعلاجية والدينية يحافظ على المكان ويخلق فرص عمل.
وتظهر مظاهر الإهمال في تراكم القمامة والمخلفات قرب البحيرة، ووجود ترع مجاورة مليئة بالقاذورات، وهو وضع يخلق بيئة مناسبة لتكاثر الناموس والحشرات الناقلة للأمراض، ويضع الزائر أمام مشهد يناقض تماما الحديث الرسمي عن تنمية السياحة الدينية والبيئية في وادي النطرون.
ويعكس تعثر مشاريع التنمية منذ أواخر التسعينيات خللا واضحا في إدارة المنطقة، إذ لم تنفذ الجهات المعنية سوى جزء ضئيل من مشروعات التطوير والاستصلاح، وبقيت البحيرة بلا مرافق كافية ولا خدمات سياحية منظمة ولا مسارات آمنة للزوار الراغبين في العلاج أو الزيارة الدينية.
ويؤكد علي دومة، مدير فرع جهاز شؤون البيئة بالبحيرة، أن نبع الحمرا لم تصنف حتى الآن كمحمية طبيعية، لكنها تخضع لدراسات متخصصة لفحص خصائص المياه والبيئة المحيطة بها، بينما يبقى القرار النهائي بشأن التصنيف في يد الجهات العلمية والبحثية المختصة.
وبذلك، تكشف تصريحات جهاز شؤون البيئة أن الحكومة لم تنتقل بعد من مرحلة الدراسة إلى مرحلة القرار، رغم أن البحيرة معروفة محليا وسياحيا منذ سنوات، ورغم أنها تقع ضمن نطاق يمكن ربطه بمسار العائلة المقدسة وبمشروعات السياحة العلاجية التي تحتاجها محافظة البحيرة.
وتكشف حالة نبع الحمرا عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي حول استثمار التراث والمسارات الدينية وبين واقع المواقع الطبيعية خارج دائرة الاهتمام الفعلي، لأن الحكومة تملك رواية تاريخية قابلة للترويج وموردا بيئيا نادرا، لكنها تترك التلوث ونقص الخدمات يبددان قيمتهما.
وتنتهي الأزمة عند سؤال مباشر عن مسؤولية الدولة في حماية مورد نادر داخل وادي النطرون، فالبحيرة لا تحتاج إلى دعاية جديدة بقدر حاجتها إلى تنظيف عاجل وتصنيف بيئي واضح وخدمات أساسية ورقابة صحية، لأن استمرار الإهمال يحول القيمة الدينية والعلاجية إلى عنوان آخر لفشل الإدارة الحكومية.

