كشفت أوراق دعوى أمام المحكمة الاقتصادية عن اتهامات تطارد شركة لافين للاستثمار العقاري في العاصمة الإدارية الجديدة بعد تأسيسها برأسمال 50 ألف جنيه فقط في 13 يوليو 2021 ثم حصولها بعد شهرين على تخصيص أرض مساحتها 2.54 فدان لإقامة برج مختلط من 38 طابقا.
وتضع الواقعة الحكومة أمام مسؤولية مباشرة لا تخص شركة واحدة فقط بل تخص طريقة فتح باب التطوير العقاري أمام شركات محدودة الملاءة والخبرة ثم ترك المواطنين والمصريين بالخارج في مواجهة عقود وتسويق ومقدمات مالية ومشروعات لا تظهر على الأرض بينما تظل الرقابة أبطأ من حركة جمع الأموال.
رأسمال محدود وقرار تخصيص سريع
بحسب أوراق الدعوى تأسست شركة لافين للاستثمار العقاري كشركة فردية ذات مسؤولية محدودة بسجل تجاري وبطاقة ضريبية ورأسمال قدره 50 ألف جنيه فقط ثم تقدمت بعد نحو شهرين إلى شركة العاصمة الإدارية للحصول على أرض تقارب 11 ألف متر لإقامة مشروع تجاري وإداري وفندقي.
وبعد ذلك أصدرت شركة العاصمة الإدارية قرار التخصيص في 21 سبتمبر 2021 بعد سداد 10% من إجمالي ثمن الأرض مع اشتراط عدم الإعلان عن البيع إلا بعد الحصول على التراخيص اللازمة والبدء الفعلي في الإنشاءات لإثبات الجدية قبل تسويق الوحدات للمشترين.
غير أن الاتهامات الواردة في الدعوى تقول إن صاحب الشركة سامح محمد عواد لم يلتزم بهذه الشروط وبدأ تسويق المشروع في معارض محلية ودولية قبل صدور ترخيص المشروع وقبل ظهور أعمال إنشائية فعلية بما جعل المشترين أمام مشروع يباع على الورق لا على أرض منفذة.
وفي هذا السياق يقول المهندس محمد عبد الرحمن أمين عام الجمعية المصرية لخبراء التقييم العقاري إن دخول مستثمرين غير متخصصين إلى التطوير العقاري خلق فجوات واضحة لأن بعض المنضمين الجدد يتعاملون مع التطوير كأنه بناء عمارة بينما هو صناعة تشمل التمويل والتنفيذ والتسويق والإدارة وخدمة ما بعد البيع.
كما تكشف الواقعة خللا في فحص الجدية قبل منح الأراضي لأن الدولة تضع العاصمة الإدارية في قلب مشروعها العمراني ثم تسمح عمليا بدخول كيانات محدودة الإمكانات إلى مساحات ضخمة ومشروعات شاهقة دون ضمانات كافية تحمي المشتري إذا تعثر المطور أو باع الشركة أو توقف المشروع.
أموال المشترين بين البيع على الخريطة ونقل الشركة
وفقا للوقائع المعروضة في الدعوى استهدف التسويق عددا من المصريين العاملين في السعودية الذين بحثوا عن وحدة داخل مشروع كبير بالعاصمة الإدارية اعتمادا على الثقة التي صنعتها الدولة حول المدينة الجديدة ووعود الانتقال إلى منطقة حديثة منظمة بعيدا عن تكدس القاهرة ومشكلاتها العمرانية.
ثم امتد التسويق بحسب الشكاوى إلى وعود بتأجير الوحدات واستخدام عائد الإيجار في سداد الأقساط وهي صيغة تزيد من جاذبية المشروع للمغتربين لكنها ترفع خطورة الخداع إذا لم تكن هناك تراخيص نهائية وإنشاءات حقيقية وبرنامج زمني واضح ومعلن وخاضع لرقابة جهة رسمية.
بعد ذلك تقول الأوراق إن صاحب الشركة باعها إلى مستثمر جديد بينما لم يظهر شيء حاسم على الأرض وكان المشترون قد دفعوا مقدمات وأقساطا في مواعيدها بما نقل الأزمة من علاقة بيع مباشرة إلى نزاع أوسع حول مسؤولية المالك الجديد والتزامات الشركة تجاه الحاجزين.
وهنا يوضح الدكتور أحمد شوقي الخبير الاقتصادي أن اعتماد بعض الشركات على مقدمات العملاء وأقساطهم لتمويل مشروعات أخرى يصنع حلقة تعثر مستمرة لأن المطور ينتظر دفعات جديدة ليستكمل البناء بينما يوقف المشترون السداد عند تأخر التنفيذ فتتحول الأزمة إلى نزاعات مالية وقانونية.
لذلك لا تبدو القضية مجرد خلاف تعاقدي بين مشترين وشركة بل نموذج لطريقة عمل تسمح بجمع أموال مبكرة قبل اكتمال الضمانات ثم تترك المتضررين يطاردون حقوقهم في المحاكم بينما تستفيد الشركات من مرور الوقت وتآكل قيمة الأموال وتعدد المسؤولين عن الكيان القانوني.
حكومة تعرف القواعد ولا تطبقها
أصدر مجلس الوزراء قرارا في 2022 لضبط بيع وحدات مشروعات التطوير العقاري وضمان حقوق المشترين عبر اشتراطات تشمل الحساب البنكي المستقل للمشروع وضوابط الطرح والبيع ومتابعة البرنامج الزمني لكن المشكلة الأساسية لم تعد في غياب النصوص بل في غياب التنفيذ المستمر والرقابة المعلنة.
ويؤكد فتح الله فوزي نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين ورئيس لجنة التطوير العقاري أن قرار 2022 وضع أطرا جيدة لحماية العملاء تشمل حسابا بنكيا مستقلا للمشروع وتقارير مالية دورية لكنه اعتبر أن الأزمة في عدم التفعيل الحكومي لهذه الأدوات رغم وضوحها داخل القرار.
كما قال المهندس طارق شكري رئيس غرفة التطوير العقاري ووكيل لجنة الإسكان إن السوق يحتاج إلى قانون اتحاد المطورين وتصنيف الشركات وفقا للملاءة المالية والخبرة الفنية وسابقة الأعمال بعدما تضاعف عدد شركات التطوير بما يفرض فلترة الشركات غير الجادة وغير الملتزمة.
في المقابل يضع المهندس علاء فكري نائب رئيس لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين المسؤولية في قلب الحكومة عندما يؤكد أن إجراءات الإصلاح معروفة ومطبقة في أسواق إقليمية عديدة وأن السؤال الحقيقي يتعلق بجدية الدولة في تطبيقها والرقابة عليها بلا انتقائية.
وتزيد خطورة الصمت مع أحاديث بعض العاملين في السوق عن علاقات وحماية ونفوذ وهي أحاديث لا تعني بالضرورة وجود غطاء رسمي لكنها تفرض على الحكومة فتح الملفات بدلا من ترك أفراد داخل جهات مختلفة يمررون أوراقا أو يتغاضون عن مخالفات أو يؤخرون كشف التعثر.
كما أن الجدل حول نفوذ كبار المطورين وصعود دعوات إنشاء كيان يمثل الشركات على غرار اتحاد المقاولين يجب ألا يتحول إلى لوبي يحمي مصالح المطورين فقط لأن المشتري الفرد هو الطرف الأضعف ولا يملك أمام الشركة سوى العقد والقضاء وانتظار جهة رقابية لا تتحرك.
وتفرض القضية إنشاء لجنة رقابية عاجلة تضم وزارة الإسكان وشركة العاصمة الإدارية وجهاز حماية المستهلك والرقابة المالية لمراجعة تراخيص المشروعات وحسابات العملاء ونسب التنفيذ وأسعار الطرح وإعلانات البيع خصوصا في المشروعات التي حصلت على أراض كبيرة بينما يواجه حاجزوها تأخيرا أو غموضا أو دعاوى قضائية.
وفي النهاية لا تستطيع الحكومة أن تتحدث عن جذب الاستثمار وتترك سوق التطوير العقاري مفتوحا أمام بيع الوهم باسم المدن الجديدة لأن حماية سمعة القطاع تبدأ من حماية المواطن لا من حماية المطور المتعثر ولأن كل مشروع بلا رقابة يتحول إلى خصم مباشر من ثقة الناس في الدولة.

