كشفت موجة انتقادات جديدة لمنظومة الشكاوى الحكومية الموحدة بمجلس الوزراء، في مايو 2026، عن أزمة أعمق من طلب إحاطة برلماني، بعدما ظهرت فجوة بين تسجيل أكثر من 6 ملايين شكوى وطلب واستغاثة وبين شكاوى مواطنين من ردود شكلية وإغلاق إداري للملفات.

 

وتضع هذه الفجوة الحكومة أمام أصل المشكلة، لأن المواطن لا يطلب رقما على الهاتف الساخن 16528 ولا رسالة تؤكد توجيه الشكوى، بل ينتظر حلا يرفع ضررا عن بيته أو صحته أو عمله أو مرفقه العام، بينما تتحول المنظومة إلى بوابة لتسجيل الغضب لا معالجته.

 

أرقام الإنجاز تتحول إلى ستار على فشل الحل

 

بعد ذلك، يصبح الرقم الرسمي جزءا من الأزمة لا دليلا على النجاح، لأن المنظومة تعلن نسب إنجاز تتجاوز 90% في تقارير متعددة، بينما لا تقدم للرأي العام معيارا واضحا يفرق بين الشكوى التي حلت ميدانيا والشكوى التي أغلقت إداريا بعد رد روتيني.

 

لذلك، لا تكشف الأرقام وحدها حقيقة الأداء، لأن تسجيل مليون شكوى خلال عام واحد أو استقبال 205 آلاف شكوى في أبريل 2026 لا يعني أن المواطنين حصلوا على حقوقهم. معيار النجاح يجب أن يكون أثر الحل على الأرض لا سرعة نقل الملف إلى جهة اختصاص.

 

وفي هذا السياق، تكشف بيانات أبريل 2026 شكل الخلل بوضوح، إذ أعلنت المنظومة توجيه 166 ألف شكوى وطلب إلى جهات الاختصاص وحفظ 37 ألف شكوى، لكن الإعلان لم يشرح للمواطنين عدد الحالات التي حصلت على حل تنفيذي موثق أو تعويض أو متابعة ميدانية.

 

ومن هنا، يخدم رأي الدكتور عمرو هاشم ربيع محور الرقابة العامة، لأنه يربط فاعلية المساءلة بقدرة البرلمان والرأي العام على فحص الأداء لا تلقي ملخصات حكومية. فالرقابة التي تكتفي بالأرقام تصبح امتدادا للبيروقراطية لا أداة لضبط السلطة التنفيذية.

 

الشكوى تعود إلى الجهة المتهمة

 

ثم تظهر العقدة الأساسية حين ترسل المنظومة الشكوى إلى الجهة المشكو في حقها، فيجد المواطن نفسه أمام الخصم نفسه بصفة المحقق والمجيب والمنهي للملف. هذا المسار يهدر فكرة الاستقلال، ويجعل الشكوى دورة مغلقة تعيد المواطن إلى الباب الذي جاء منه.

 

وبسبب هذا المسار، تفقد المنظومة وظيفتها الرقابية، لأن الجهة التي تأخرت أو قصرت أو أضرت بالمواطن لا يجوز أن تملك وحدها حق تقييم الشكوى وإغلاقها. المواطن يحتاج جهة فحص مستقلة تراجع المستندات وتلزم الإدارة بالحل وتراقب التنفيذ بعد الرد.

 

كما يتوسع الضرر عندما يتلقى المواطن عبارة من نوع تمت الإفادة للجهة المختصة، بينما تبقى الحفرة في الشارع، أو يظل قرار العلاج معطلا، أو لا تعود خدمة المياه والكهرباء. هنا يتحول الإغلاق الإداري إلى بديل عن الحل الحقيقي لا مرحلة إجرائية.

 

وفي هذا الموضع، يقدم نجاد البرعي زاوية حقوقية مهمة بصفته محاميا وحقوقيا معنيا بحقوق المواطنين، لأن الشكوى حق دستوري لا خدمة تكميلية. وإذا غابت آلية تظلم محايدة بعد الرد، فإن الدولة تمنح الإدارة فرصة ثانية لإسكات صاحب الحق لا إنصافه.

 

شفافية غائبة ومواطن يدور في حلقة انتظار

 

في المقابل، لا تنشر الحكومة تقارير تفصيلية تكشف متوسط زمن الاستجابة الفعلي لكل وزارة، ولا تفصل بين الشكاوى المحلولة والشكاوى المحفوظة، ولا تتيح للمواطن معرفة سبب الحفظ أو حق الطعن عليه. هذا النقص يجعل منظومة الشكاوى الحكومية صندوقا مغلقا.

 

ومع ذلك، تستمر البيانات الرسمية في الاحتفاء بنسب الإنجاز داخل جهات حكومية متعددة، بينما تتداول شكاوى المواطنين قصص انتظار تمتد إلى 60 أو 120 يوما في بعض الحالات. الفارق بين لغة البيانات وتجربة المستخدم يصنع أزمة ثقة لا تعالجها منشورات التهنئة.

 

كذلك، لا تكفي كثرة قنوات التقديم عبر الخط الساخن والموقع الإلكتروني والتطبيق إذا بقي مصير الشكوى خاضعا للرد الإداري نفسه. تعدد الأبواب لا يعني عدالة في الفحص، لأن المواطن يدخل من قنوات مختلفة ثم يصطدم في النهاية بالبيروقراطية نفسها.

 

وعند هذه النقطة، يخدم طرح زياد بهاء الدين محور الإصلاح والشفافية، لأنه يدعو إلى مواجهة الواقع لا تجميله. والمنظومة تحتاج إلى إصلاح يعترف بأن عدد الشكاوى المرتفع ليس بطولة إدارية، بل دليل على خلل متكرر في الخدمات العامة وطريقة التعامل معها.

 

لذلك، يحتاج المواطن إلى قاعدة واضحة تحدد زمنا ملزما للرد والحل، لا مجرد وعد عام بسرعة الاستجابة. الشكاوى العادية يجب أن ترتبط بحد أقصى معلن لا يتجاوز 30 يوما، والشكاوى العاجلة يجب أن ترتبط بمسار خاص لا يتجاوز 72 ساعة.

 

وبناء على ذلك، لا يصح أن تبقى الحكومة هي الجهة التي تتلقى الشكوى وتقيس الأداء وتعلن النجاح وتحفظ الملف في الوقت نفسه. هذه الدائرة تصنع تضاربا واضحا في المصالح، وتجعل المواطن أضعف طرف في مواجهة جهاز إداري يملك القرار والبيان والختام.

 

وفي النهاية، تكشف منظومة الشكاوى الحكومية أزمة حكم قبل أن تكشف خللا فنيا، لأن الدولة التي تجمع أكثر من 6 ملايين شكوى ثم تعجز عن إثبات جودة الحلول تعترف ضمنيا باتساع الغضب وضعف الإنصاف. المطلوب ليس منصة أجمل، بل رقابة مستقلة تفتح الملفات بدل دفنها.