شهدت العاصمة البريطانية لندن، خروج عشرات الآلاف من الجماهير في تظاهرات متزامنة؛ إحداها داعمة لفلسطين وإحياءً للذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، والأخرى نظمها أنصار اليمين المتطرف احتجاجًا على الهجرة ورفعًا لشعارات قومية متشددة، في مشهد عكس حجم الانقسام المتصاعد داخل المجتمع البريطاني على خلفية الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة.
وتحوّلت شوارع وسط لندن إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، مع انتشار أمني واسع وصفته وسائل إعلام بريطانية بأنه من أكبر عمليات التأمين التي شهدتها العاصمة خلال السنوات الأخيرة، حيث دفعت الشرطة البريطانية بنحو أربعة آلاف عنصر أمن، مدعومين بوحدات الخيالة والكلاب البوليسية والمروحيات والطائرات المسيّرة، إضافة إلى استخدام تقنيات التعرف المباشر على الوجوه لمراقبة التحركات ومنع أي احتكاكات محتملة بين المتظاهرين.
المسيرة بدعوة من تحالف واسع ضم منظمات وحركات داعمة
وانطلقت المسيرة المؤيدة لفلسطين من منطقة “شارع إكزيبيشن” باتجاه “بال مال”، بدعوة من تحالف واسع ضم منظمات وحركات داعمة للقضية الفلسطينية، أبرزها حملة التضامن مع فلسطين وائتلاف “أوقفوا الحرب” والمنتدى الفلسطيني في بريطانيا و”أصدقاء الأقصى” وحركات مناهضة العنصرية، إلى جانب نقابات وجمعيات مدنية.
ورفع المشاركون الأعلام الفلسطينية واللافتات المطالبة بوقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وإنهاء الدعم الغربي لتل أبيب، كما رددوا هتافات منددة بالعدوان الإسرائيلي ومطالبة بحقوق الفلسطينيين وإقامة دولتهم المستقلة.
وأكد منظمو المسيرة أن إحياء ذكرى النكبة هذا العام يحمل طابعًا استثنائيًا، في ظل استمرار الحرب على غزة وما وصفوه بمحاولات متواصلة لطمس الرواية الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه.
وشهدت المسيرة مشاركة واسعة من الجاليات العربية والفلسطينية، إلى جانب متضامنين بريطانيين قدموا من مدن مختلفة، بينما سلكت الحشود شوارع رئيسية في قلب لندن، من بينها “كرومويل غاردنز” و”برومبتون رود” و”نايتسبريدج” و”بيكاديللي” و”سانت جيمس ستريت”.
وقال عدنان حميدان إن النكبة “ليست حدثًا تاريخيًا انتهى، بل مشروع اقتلاع مستمر”، مشددًا على أن الشعب الفلسطيني “ما زال يتمسك بحقوقه ويرفض تحويل قضيته إلى مجرد ذكرى من الماضي”.
وأضاف أن ما يحدث في غزة اليوم يمثل امتدادًا لمأساة التهجير التي بدأت عام 1948، مؤكدًا أن “القدس ليست قابلة للمساومة، وأن حق العودة لا يسقط بالتقادم”.
“الموت للجيش الإسرائيلي”.. هتافات تثير الجدل
وردد بعض المشاركين في المسيرة هتافات من بينها “الموت للجيش الإسرائيلي”، الأمر الذي أعاد الجدل داخل بريطانيا حول حدود حرية التعبير في التظاهرات السياسية، خاصة في ظل تحذيرات سابقة من الشرطة البريطانية بأن بعض الشعارات قد تُصنف باعتبارها تحريضية أو ذات دوافع عنصرية ودينية.
وأكدت الشرطة أنها راقبت الهتافات واللافتات عن كثب طوال ساعات التظاهر، مشيرة إلى أنها ستتدخل في حال رصد أي عبارات تخالف القانون أو تحرض على الكراهية والعنف.
احتجاجات اليمين المتطرف ترفع مستوى التوتر
وفي الوقت ذاته، احتشد أنصار اليمين المتطرف بقيادة الناشط البريطاني تومي روبنسون في مناطق قريبة من محطتي “يوستن” و”كينجز كروس”، ضمن تظاهرة حملت شعار “وحّدوا المملكة”، وركزت على رفض الهجرة وما وصفه المشاركون بـ”تهديد الهوية البريطانية”.
وردد المشاركون شعارات قومية متشددة ورفعوا لافتات تنتقد سياسات الحكومة البريطانية المتعلقة بالمهاجرين واللاجئين، فيما فرضت الشرطة طوقًا أمنيًا واسعًا ومناطق عازلة قرب ميدان “ترافالغار” لمنع أي صدام مباشر مع المتظاهرين المؤيدين لفلسطين.
وأعلنت السلطات البريطانية توقيف عدد من الأشخاص على خلفية الاحتجاجات، فيما أشارت شرطة لندن إلى اعتقال رجلين قرب محطة “يوستن” للاشتباه بتورطهما في قضية إلحاق أذى جسيم مرتبطة بحادثة دهس سابقة بمدينة برمنغهام، موضحة أنهما كانا في طريقهما للمشاركة في احتجاجات اليمين المتطرف.
ستارمر يهاجم اليمين المتشدد
وفي تصعيد سياسي لافت، هاجم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر منظمي تظاهرة “وحّدوا المملكة”، متهمًا بعض الجهات المرتبطة بها بـ”نشر الكراهية والانقسام داخل المجتمع البريطاني”.
كما كشفت الحكومة البريطانية عن منع 11 شخصًا وصفتهم بأنهم “محرضون أجانب من اليمين المتطرف” من دخول البلاد للمشاركة في الاحتجاجات، في خطوة تعكس مخاوف رسمية من تصاعد النشاط اليميني المتشدد داخل بريطانيا.
قلق عربي وفلسطيني من تصاعد خطاب الكراهية
وقبيل انطلاق الفعاليات، وجّه قادة وناشطون من الجاليتين العربية والفلسطينية رسالة إلى الحكومة البريطانية طالبوا فيها بضمان حماية متساوية للمشاركين في فعاليات إحياء النكبة، وعدم التعامل مع المناسبة باعتبارها “تهديدًا أمنيًا”.
وأكد الموقعون أن العرب والفلسطينيين في بريطانيا يعيشون حالة من القلق المتزايد بسبب تصاعد خطاب اليمين المتطرف، خاصة مع تقاري

