للعام الثالث على التوالي، يعيش آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة مرارة الحرمان من أداء فريضة الحج، بعدما تحولت رحلة العمر إلى حلم مؤجل بسبب الحرب الإسرائيلية المستمرة، وإغلاق المعابر، والانهيار الإنساني الذي يضرب القطاع منذ سنوات. وبينما يتوافد ملايين المسلمين من مختلف أنحاء العالم إلى الأراضي المقدسة، يقف حجاج غزة عاجزين خلف الحدود المغلقة، يحملون تصاريحهم وأحلامهم المؤجلة وذكريات سنوات طويلة من الانتظار.

 

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة كشفت عن أرقام صادمة تعكس حجم المأساة، حيث تجاوز عدد الفلسطينيين الذين حُرموا من أداء الحج خلال السنوات الثلاث الماضية عشرة آلاف شخص، فيما توفي العشرات منهم قبل أن يتمكنوا من تحقيق أمنيتهم الأخيرة بأداء الركن الخامس من أركان الإسلام.

 

أكثر من 10 آلاف محروم من الحج

 

خلال مؤتمر صحفي عُقد في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أكد مدير العلاقات العامة في وزارة الأوقاف، أمير أبو العمرين، أن حرمان الفلسطينيين من الحج لم يعد مجرد أزمة إدارية أو لوجستية، بل تحول إلى مأساة إنسانية ودينية متواصلة.

 

وأوضح أن حصة قطاع غزة السنوية من الحج تبلغ نحو 2508 حجاج، إلا أن الحرب وإغلاق المعابر حالا دون سفرهم منذ ثلاثة أعوام متتالية، ما تسبب في تراكم أعداد المنتظرين بشكل غير مسبوق.

 

وأشار إلى أن 2473 فلسطينياً اجتازوا قرعة الحج منذ عام 2013، وأتموا الإجراءات المطلوبة، وكانوا ينتظرون السفر، لكن 71 منهم توفوا قبل أن تتحقق أمنيتهم، بينما لا يزال أكثر من 2400 آخرين عالقين حتى الآن دون أي أفق واضح للسفر.

 

الحرب والحصار يغلقان أبواب العبادة

 

مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وتصاعد العمليات العسكرية، تدهورت الأوضاع الإنسانية بصورة كارثية، وأصبح السفر من القطاع شبه مستحيل. فإغلاق المعابر المستمر، خصوصاً معبر رفح، أدى إلى شلل كامل في حركة التنقل، وحرم آلاف المرضى والطلاب وأصحاب الإقامات وحتى الحجاج من مغادرة القطاع.

 

وترى وزارة الأوقاف في غزة أن منع الفلسطينيين من أداء الحج يمثل انتهاكاً واضحاً لحرية العبادة والتنقل، وهي حقوق تكفلها القوانين والمواثيق الدولية. وأكد أبو العمرين أن الحج ليس مجرد رحلة عادية، بل عبادة ينتظرها المسلمون سنوات طويلة، وبعضهم يدخر أموال عمره كاملاً لتحقيقها.

 

وأضاف أن كثيراً من الحجاج دفعوا الرسوم المطلوبة وأنهوا ترتيبات السفر منذ سنوات، لكن الظروف السياسية والحرب المتواصلة دفعتهم إلى البقاء داخل القطاع، وسط خوف دائم من ضياع الفرصة بالكامل.

 

وفاة عشرات الحجاج قبل تحقيق الحلم

 

من أكثر الجوانب إيلاماً في القضية، وفاة عشرات الفلسطينيين الذين انتظروا سنوات للسفر إلى الأراضي المقدسة. فبحسب وزارة الأوقاف، توفي 71 شخصاً من المسجلين للحج وهم ينتظرون فتح المعابر والسماح لهم بالسفر.

 

وتحولت قصص هؤلاء إلى رمز لمعاناة سكان القطاع، خاصة كبار السن الذين كانوا يأملون أداء الفريضة قبل وفاتهم. كثير من العائلات في غزة تتحدث اليوم عن آباء وأمهات رحلوا وهم يحتفظون بحقائب السفر وملابس الإحرام داخل منازلهم، بانتظار لحظة لم تأتِ أبداً.

 

ويرى مراقبون أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى وفاة المزيد من كبار السن والمرضى الذين يعيشون على أمل فتح المعابر والسماح لهم بالسفر في أي موسم قادم.

 

دعوات لتدخل عاجل

 

وزارة الأوقاف في غزة دعت المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لإنهاء معاناة الحجاج، مطالبة المملكة العربية السعودية ومصر بالتدخل من أجل فتح المعابر أمام الحجاج لأغراض إنسانية ودينية.

 

كما طالبت الوزارة بتوسيع “مكرمة خادم الحرمين الشريفين” لتشمل أكبر عدد ممكن من ذوي الشهداء الفلسطينيين في قطاع غزة، في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها السكان.

 

من جانبه، أكد صاحب شركة الحج والعمرة صالح جبر أن آلاف الفلسطينيين يعيشون مأساة حقيقية بسبب حرمانهم من الحج، مشيراً إلى أن عشرات الحجاج توفوا خلال سنوات الانتظار، بينما يخشى آخرون فقدان الفرصة نهائياً بسبب تقدمهم في العمر أو تدهور أوضاعهم الصحية.

 

وأضاف أن هناك حاجة إلى آليات استثنائية وعاجلة تضمن سفر الحجاج الفلسطينيين من غزة، وعدم ضياع حقهم الديني والإنساني في أداء الفريضة.

 

تحويل حصة غزة إلى الضفة الغربية

 

وفي مارس الماضي، أعلنت وزارة الأوقاف الفلسطينية في رام الله تحويل ما تبقى من حصة حجاج قطاع غزة إلى محافظات الضفة الغربية والقدس بشكل مؤقت واستثنائي، مبررة القرار بضيق الوقت المحدد لإصدار تأشيرات الحج وفق البروتوكول الموقع مع وزارة الحج والعمرة السعودية.

 

وأثار القرار حالة من الحزن والغضب بين سكان غزة، الذين اعتبروا أن حصتهم تضيع عاماً بعد آخر في ظل غياب أي حلول عملية لتمكينهم من السفر.

 

معاناة إنسانية تتفاقم يوماً بعد يوم

 

تأتي أزمة الحج في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث، مع استمرار الحرب، وتدمير البنية التحتية، ونقص الغذاء والدواء والوقود، إضافة إلى موجات النزوح المتكررة داخل مناطق مكتظة تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية.

 

ورغم إعادة فتح معبر رفح بشكل محدود في فبراير 2026 أمام بعض الحالات الإنسانية والمرضى، فإن القيود المشددة على السفر ما زالت تمنع آلاف الفلسطينيين من مغادرة القطاع، ومن بينهم الحجاج الذين ينتظرون بصيص أمل يعيد إليهم حقهم في أداء الشعيرة الإسلامية الأهم في حياتهم.