كشفت البورصة المصرية في ختام تعاملات الخميس تراجع المؤشر الرئيسي "إيجي إكس 30" بنسبة 0.43% عند مستوى 53186 نقطة، وسط خسائر سوقية بلغت نحو 8 مليارات جنيه، وتداولات تجاوزت 11.8 مليار جنيه، في مشهد يعكس استمرار اضطراب السوق المالية تحت ضغط الأوضاع الاقتصادية وتراجع ثقة المستثمرين في قدرة الحكومة على تحقيق استقرار مالي حقيقي.
وأعادت هذه التراجعات المتباينة داخل سوق المال المصري فتح ملف السياسات الاقتصادية التي دفعت رؤوس الأموال إلى التحرك بحذر شديد داخل البورصة، بينما تتواصل معاناة المواطنين مع التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، في وقت تروج فيه الحكومة لتحسن المؤشرات الاقتصادية رغم استمرار نزيف الخسائر داخل قطاعات الإنتاج والاستثمار والادخار.
ضغوط بيعية تضرب الأسهم القيادية وتدفع السوق للتراجع
وشهدت جلسة الخميس ضغوطًا بيعية واضحة على عدد من الأسهم القيادية المدرجة بالمؤشر الرئيسي، ما أدى إلى تراجع "إيجي إكس 30" بنسبة 0.43% ليغلق عند مستوى 53186 نقطة، بينما حاولت الأسهم الصغيرة والمتوسطة الحد من الخسائر عبر ارتفاعات محدودة داخل بعض القطاعات النشطة بالسوق.
في المقابل سجل مؤشر "إيجي إكس 70" للأسهم الصغيرة والمتوسطة ارتفاعًا بنسبة 0.11% ليصل إلى 15086 نقطة، مدعومًا بتحركات شرائية انتقائية، بينما صعد مؤشر "إيجي إكس 100" الأوسع نطاقًا بنسبة 0.23% عند مستوى 20990 نقطة مع استمرار المضاربات على الأسهم منخفضة القيمة السوقية.
كما تجاوزت قيمة التداولات خلال الجلسة نحو 11.8 مليار جنيه، مع التداول على أكثر من 2.5 مليار سهم عبر تنفيذ 238048 عملية تداول، وهو ما يعكس استمرار النشاط المضاربي داخل السوق رغم التراجع الملحوظ في أداء الأسهم الكبرى والقطاعات القيادية.
كذلك سجل رأس المال السوقي للبورصة المصرية نحو 3.806 تريليون جنيه بنهاية التعاملات، بعدما فقدت السوق نحو 8 مليارات جنيه مقارنة بالجلسة السابقة، في وقت ارتفعت فيه أسعار 95 سهمًا مقابل تراجع 113 سهمًا واستقرار 12 سهمًا دون تغيير.
ويرى الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أن استمرار التذبذب داخل البورصة يعكس حالة فقدان الثقة في السياسات الاقتصادية الحالية، مؤكدًا أن السوق لم تعد تتحرك وفق مؤشرات إنتاج حقيقية بقدر ما أصبحت رهينة المضاربات السريعة وتحركات الأموال الساخنة قصيرة الأجل.
وأضاف الولي أن الحكومة تواصل الترويج لتحسن الاقتصاد بالتزامن مع استمرار تراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات الدين والتضخم، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على قرارات المستثمرين الذين باتوا يتعاملون بحذر شديد مع السوق المصرية خلال الأشهر الأخيرة.
وأوضح الولي أن ارتفاع التداولات لا يعني بالضرورة وجود تعافٍ اقتصادي، لأن جزءًا كبيرًا من هذه السيولة يتحرك في إطار المضاربة السريعة وليس الاستثمار طويل الأجل، خاصة مع غياب الرؤية الواضحة بشأن استقرار سعر الصرف وأسعار الفائدة والتضخم.
المستثمرون بين المضاربة والخوف من التقلبات الاقتصادية
واصل المستثمرون خلال جلسة الخميس التحرك بصورة متباينة بين عمليات جني الأرباح والشراء الانتقائي، وسط حالة ترقب مستمرة لاتجاهات السوق خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع استمرار الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالتضخم وأسعار الفائدة وأزمة السيولة داخل قطاعات متعددة.
وبحسب بيانات التداول، فإن السوق شهدت نشاطًا ملحوظًا على الأسهم الصغيرة والمتوسطة مقارنة بالأسهم القيادية، وهو ما يعكس اتجاه شريحة من المستثمرين نحو المضاربة السريعة بحثًا عن أرباح قصيرة الأجل في ظل غياب الاستقرار داخل القطاعات الكبرى.
في السياق ذاته قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد إن حالة القلق المسيطرة على السوق ترتبط بصورة مباشرة بالأوضاع المعيشية والقدرة الشرائية للمواطنين، لأن تراجع الاستهلاك المحلي يؤثر تدريجيًا على نتائج أعمال الشركات المدرجة داخل البورصة.
وأشار فؤاد إلى أن ارتفاع الأسعار واستمرار الضغوط التضخمية يدفعان شريحة واسعة من المواطنين إلى الابتعاد عن الاستثمار طويل الأجل، سواء داخل البورصة أو غيرها، نتيجة تآكل الدخول وارتفاع تكلفة المعيشة بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف فؤاد أن المستثمر المحلي أصبح يواجه معادلة صعبة بين التضخم المرتفع وأسعار الفائدة المرتفعة وتراجع قيمة العملة، بينما لم تنجح الإجراءات الحكومية حتى الآن في خلق بيئة مستقرة تسمح بعودة الثقة بصورة حقيقية إلى الأسواق المالية.
كما أوضح أن صعود بعض المؤشرات الفرعية لا يعكس بالضرورة تحسنًا اقتصاديًا شاملًا، لأن السوق لا تزال تتحرك بصورة انتقائية ومحدودة، في وقت تعاني فيه قطاعات واسعة من الاقتصاد من تباطؤ واضح في النشاط والإنتاج والاستثمار.
ومن جهة أخرى يرى مراقبون أن استمرار خسائر الأسهم القيادية يعكس تخوف المؤسسات الاستثمارية الكبرى من استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي، خاصة مع ارتباط السوق المحلية بعوامل خارجية تتعلق بحركة الدولار وأسعار الفائدة العالمية وتدفقات الاستثمار الأجنبي.
أزمة الثقة تضغط على السوق وسط توسع الدين والتضخم
تتزامن تحركات البورصة الحالية مع تصاعد الجدل بشأن السياسات الاقتصادية الحكومية، خاصة في ظل استمرار الاعتماد على الاقتراض والتوسع في الدين العام بالتوازي مع تراجع معدلات النمو الحقيقي داخل قطاعات الإنتاج والصناعة والتصدير.
وفي هذا السياق قال الخبير الاقتصادي ناصر سلامة إن البورصة المصرية أصبحت تعكس بصورة واضحة حالة الارتباك داخل المشهد الاقتصادي العام، مؤكدًا أن السوق المالية لا يمكن فصلها عن أزمات الدين والتضخم وتراجع قيمة الجنيه خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح سلامة أن الحكومة ركزت بصورة كبيرة على جذب الأموال الساخنة والاستثمارات قصيرة الأجل، بينما تراجع الاهتمام ببناء قاعدة إنتاجية حقيقية قادرة على دعم الاقتصاد بصورة مستقرة ومستدامة بعيدًا عن التقلبات الحادة في الأسواق العالمية.
وأشار سلامة إلى أن المستثمرين يتابعون بصورة دقيقة قدرة الحكومة على إدارة الالتزامات المالية الخارجية، خاصة مع استمرار الضغوط على العملة المحلية وارتفاع تكلفة التمويل، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على أداء الأسهم وثقة المتعاملين داخل السوق.
وأضاف سلامة أن البورصة المصرية تحتاج إلى إصلاحات اقتصادية أعمق تتعلق بالإنتاج والصناعة والتصدير والعدالة الضريبية، وليس فقط إجراءات مالية مؤقتة أو حملات ترويجية تتحدث عن تحسن المؤشرات دون انعكاس فعلي على حياة المواطنين والأسواق.
كذلك حذر سلامة من استمرار الفجوة بين الخطاب الحكومي والواقع الاقتصادي، موضحًا أن المواطنين والمستثمرين باتوا يقيسون الأداء الحقيقي من خلال الأسعار وفرص العمل والاستقرار النقدي، وليس عبر البيانات الرسمية التي تتحدث عن مؤشرات نمو لا يشعر بها الشارع.
وفي الوقت نفسه تتزايد المخاوف داخل الأوساط الاقتصادية من استمرار التذبذب الحاد داخل البورصة خلال الفترة المقبلة، خاصة مع استمرار الضغوط العالمية المرتبطة بأسعار الطاقة والفائدة وحركة رؤوس الأموال في الأسواق الناشئة.
ورغم محاولات الحكومة تقديم البورصة باعتبارها إحدى أدوات جذب الاستثمار وتنشيط الاقتصاد، فإن الأداء الحالي للسوق يعكس استمرار أزمة الثقة بين المستثمرين وصناع القرار، في ظل غياب حلول اقتصادية جذرية تعالج أسباب التراجع بدلًا من الاكتفاء بإدارة نتائجه اليومية.
ومع استمرار خسائر السوق وتراجع المؤشر الرئيسي تحت ضغط الأسهم القيادية، تبدو البورصة المصرية أمام اختبار جديد يكشف حجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، بينما يواصل المواطن دفع كلفة السياسات المالية والنقدية عبر موجات متتالية من الغلاء وتآكل الدخول وتراجع فرص الاستثمار الحقيقي.

