أعلنت وزارة الخارجية المصرية استعادة 94 جثمانًا لمصريين لقوا حتفهم خلال محاولات الهجرة غير الشرعية عبر ليبيا، بالتزامن مع ترحيل 1379 مصريًا خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، بينهم مئات المحتجزين في طرابلس وبنغازي، في مؤشر جديد على تصاعد موجات الهروب الجماعي من الأوضاع الاقتصادية داخل مصر، رغم القبضة الأمنية الواسعة التي ترفعها حكومة عبد الفتاح السيسي تحت شعار مكافحة الهجرة غير النظامية.

 

وكشفت الأرقام الرسمية الصادرة عن الخارجية المصرية والاتحاد الأوروبي عن اتساع الظاهرة بين القصر والشباب تحديدًا، بعدما تحولت الهجرة عبر السواحل الليبية إلى مسار دائم للهاربين من البطالة والفقر وتدهور القدرة المعيشية، بينما تواصل السلطات المصرية تلقي مليارات اليوروهات من أوروبا تحت بند منع الهجرة، دون أن ينعكس ذلك على تقليل أعداد الضحايا أو وقف نزيف الشباب المصري نحو البحر.

 

تصاعد أعداد الضحايا والمحتجزين يكشف فشل السياسات الأمنية

 

قالت وزارة الخارجية إن السلطات المصرية استعادت 94 جثمانًا لمصريين قضوا خلال رحلات الهجرة غير الشرعية انطلاقًا من ليبيا، فيما نجحت في إعادة 1379 مواطنًا جرى احتجازهم داخل الأراضي الليبية خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، بينهم 508 محتجزين في طرابلس و871 آخرين من بنغازي.

 

كما أوضح السفير حداد الجوهري مساعد وزير الخارجية للشؤون القنصلية والمصريين في الخارج أن غالبية المحتجزين ينتمون إلى الفئة العمرية بين 15 و30 عامًا، مؤكدًا أن السلطات تتعامل بشكل يومي تقريبًا مع حالات احتجاز وترحيل جديدة، بينما شهدت الفترة الأخيرة تكرار توقيف بعض الشباب أكثر من مرة بعد إعادتهم إلى مصر.

 

وفي السياق نفسه أعلنت الخارجية المصرية سابقًا ترحيل أكثر من 3000 مصري من ليبيا خلال عام 2025، إضافة إلى الإفراج عن 1200 مصري من السجون الليبية، وجميعهم متورطون في قضايا مرتبطة بالهجرة غير النظامية، فضلًا عن نقل أكثر من 300 جثمان على نفقة الدولة بعد حوادث غرق متكررة في البحر المتوسط.

 

ويرى الباحث الحقوقي عمرو عبد الهادي أن الأرقام الرسمية تكشف انهيار المقاربة الأمنية التي تتعامل بها حكومة السيسي مع ملف الهجرة، موضحًا أن حملات الملاحقة والاعتقال لم تمنع آلاف الشباب من إعادة المحاولة، لأن الدافع الأساسي يرتبط بانعدام فرص العمل واتساع الفقر وتراجع قيمة الأجور داخل مصر.

 

وأضاف عبد الهادي أن استمرار سقوط الضحايا وارتفاع أعداد القصر بين المهاجرين يؤكد غياب أي سياسات اجتماعية حقيقية تستهدف المناطق المصدرة للهجرة، خاصة في محافظات الصعيد والدلتا، بينما تكتفي السلطات بإجراءات أمنية وترحيلات متكررة دون معالجة الأسباب الاقتصادية التي تدفع الشباب إلى ركوب البحر.

 

أطفال وقصر في قوارب الموت رغم مليارات الدعم الأوروبي

 

كشف بيان صادر عن إدارة الهجرة والشؤون الداخلية بالاتحاد الأوروبي في يناير الماضي عن ارتفاع أعداد القصر غير المصحوبين بذويهم الذين وصلوا إلى السواحل الإيطالية خلال عام 2024، حيث بلغ العدد 18625 قاصرًا، كان المصريون يمثلون نحو 20.4% منهم، في واحدة من أخطر المؤشرات المتعلقة بتوسع الهجرة بين الأطفال.

 

كما أظهرت الإحصائيات الرسمية وصول نحو 20000 مهاجر مصري إلى إيطاليا خلال عام 2023 وحده، بينما شهدت السواحل اليونانية خلال الشهور الأخيرة عدة حوادث غرق لمراكب هجرة غير شرعية، ضمت جميعها تقريبًا مصريين، وسط تزايد الاعتماد على المسار الليبي باعتباره الطريق الأكثر استخدامًا للوصول إلى أوروبا.

 

ومن جهة أخرى وقعت مصر والاتحاد الأوروبي في 17 مارس 2024 اتفاقًا للحصول على حزمة مساعدات أوروبية بقيمة 7.4 مليارات يورو، تضمنت 200 مليون يورو مخصصة لتأمين الحدود وتعزيز إجراءات مكافحة الهجرة غير النظامية، ضمن تفاهمات أوسع تهدف إلى الحد من تدفقات المهاجرين نحو أوروبا.

 

واعتبر الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق أن استمرار ارتفاع معدلات الهجرة رغم تدفق التمويل الأوروبي يعكس فشل الحكومة في توجيه الموارد نحو التنمية الحقيقية وخلق فرص العمل، مشيرًا إلى أن القروض والمساعدات الأجنبية لم تنعكس على أوضاع الفئات الفقيرة التي تدفع أبناءها للهجرة.

 

وأوضح فاروق أن الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت بعد تعويم الجنيه وارتفاع معدلات التضخم دفعت آلاف الأسر إلى اعتبار الهجرة غير الشرعية وسيلة وحيدة للنجاة، خاصة مع تراجع الدخول وارتفاع أسعار الغذاء والسكن والخدمات الأساسية خلال السنوات الأخيرة بصورة غير مسبوقة.

 

ليبيا تتحول إلى محطة دائمة للهروب من الأزمة المصرية

 

أصبحت ليبيا خلال السنوات الأخيرة المسار الرئيسي للمهاجرين المصريين نحو أوروبا، بسبب طول الحدود المشتركة وضعف الرقابة في بعض المناطق الليبية، إضافة إلى نشاط شبكات التهريب التي تستغل أوضاع الشباب المصري وتدفعهم إلى رحلات بحرية شديدة الخطورة مقابل مبالغ مالية ضخمة.

 

وفي المقابل تواصل السلطات المصرية الحديث عن نجاحات أمنية في مواجهة الهجرة غير الشرعية، رغم استمرار تزايد أعداد المرحلين والضحايا، وهو ما يعكس اتساع الأزمة بدلًا من احتوائها، خصوصًا مع عودة بعض المرحلين إلى تكرار المحاولة فور خروجهم من الاحتجاز.

 

وأشار مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان خلف بيومي إلى أن تعامل الدولة مع المهاجرين باعتبارهم متهمين أمنيًا أدى إلى تعقيد الأزمة بدلًا من احتوائها، موضحًا أن السلطات تركز على الملاحقات الأمنية دون توفير حماية اجتماعية أو اقتصادية للمناطق الأكثر تصديرًا للهجرة.

 

وأكد بيومي أن تزايد أعداد الجثامين العائدة من ليبيا والبحر المتوسط يعكس تحول الهجرة إلى نتيجة مباشرة للأزمة المعيشية داخل مصر، وليس مجرد نشاط إجرامي عابر، لافتًا إلى أن آلاف الأسر باتت تدفع أبناءها نحو الهجرة بعد فقدان الثقة في قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

 

وبينما تواصل الحكومة المصرية الإعلان عن اتفاقات تعاون أمني وتمويلات أوروبية تحت عنوان مكافحة الهجرة، تتصاعد في المقابل أعداد الضحايا والمحتجزين والقصر الذين يخاطرون بحياتهم عبر البحر، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي الذي يدفع مزيدًا من الشباب إلى الهروب خارج البلاد مهما كانت الكلفة.