كشفت شكاوى أهالي قرية تونا الجبل التابعة لمركز ملوي جنوب محافظة المنيا استمرار تجمع مياه الصرف الصحي أمام عمارات المساكن ومحيط المدافن، ما تسبب في روائح كريهة وانتشار الحشرات وتضرر السكان والأطفال وسط مطالبات بتدخل عاجل من محافظ المنيا ورئيس مركز ملوي.

 

تضع الواقعة سكان القرية أمام اختبار يومي لا تصنعه الطبيعة بل تصنعه إدارة محلية عاجزة عن تحويل الشكاوى المتكررة إلى صيانة حقيقية، إذ يتحمل الأهالي نتيجة خلل خدمي واضح بينما تكتفي الأجهزة المختصة بسيارات كسح متقطعة لا تنهي السبب ولا توقف الخطر.

 

مساكن محاصرة بالصرف ومدافن تحت الروائح

 

بدأت الأزمة من تجمعات مياه الصرف الصحي أمام عمارات المساكن في تونا الجبل، ثم تمددت المياه إلى محيط المدافن، فانتقل الضرر من إزعاج يومي داخل الكتلة السكنية إلى مشهد يمس حرمة المكان ويكشف عجز الوحدة المحلية عن التعامل مع مشكلة ظاهرة لا تحتاج إلى لجان طويلة لإثباتها.

 

ومع ارتفاع درجات الحرارة زادت الروائح الكريهة واتسع انتشار الحشرات، فصار السكان يواجهون أزمة صحية داخل محيط معيشتهم المباشر، بينما وجد الأطفال أنفسهم في مواجهة مياه ملوثة أمام البيوت، وهو ما يجعل الصمت الإداري جزءا من الضرر لا مجرد تأخر في الاستجابة.

 

ويؤكد الأهالي أن الشكاوى والاستغاثات وصلت إلى الوحدة المحلية أكثر من مرة، لكن الرد ظل محصورا في سيارات كسح تعمل بشكل متقطع، لذلك تتكرر المياه بعد كل تدخل مؤقت، ويستمر المشهد نفسه لأن الجهة المسؤولة عالجت سطح الأزمة وتركت شبكة الصرف بلا إصلاح جذري.

 

أطفال القرية في مواجهة خطر صحي معروف

 

يحذر الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية وعلوم الأراضي بجامعة القاهرة، من أن ترك مياه الصرف قرب التجمعات السكنية يحول الخلل الفني إلى خطر مباشر على التربة والمياه والصحة العامة، لذلك تخدم رؤيته هنا محور البنية التحتية التي تفشل حين تتحول الشبكات إلى مصدر تلوث لا خدمة.

 

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تردي خدمات الصرف الصحي يرتبط بنقل أمراض الإسهال والكوليرا والدوسنتاريا والتيفوئيد والديدان المعوية وشلل الأطفال، ولذلك لا يملك سكان تونا الجبل رفاهية انتظار دورة شكاوى جديدة، لأن المياه الراكدة أمام البيوت تصنع مسارا يوميا للعدوى لا أزمة منظر فقط.

 

وتضع منظمة الأمم المتحدة للطفولة الأطفال في صدارة المتضررين من مرافق المياه والصرف غير المأمونة، وهو ما يفسر خوف أهالي القرية من بقاء الصرف أمام العمارات، لأن الطفل لا يملك قدرة الكبار على تجنب المياه والحشرات والروائح ولا يملك قرار مغادرة المكان.

 

وفي هذا السياق ترى هبة هجرس، الخبيرة الحقوقية والمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، أن الخدمات العامة لا تقاس بوجودها على الورق بل بقدرة الفئات الأضعف على استخدامها بأمان، وتخدم هذه الزاوية محور الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة داخل القرية.

 

حلول مؤقتة تكشف غياب المحاسبة

 

تظهر سيارات الكسح المتقطعة كدليل على معرفة الأجهزة المحلية بالأزمة لا كدليل على حلها، لأن السيارة التي ترفع المياه اليوم ثم تعود المياه بعدها تكشف وجود خلل في الشبكة أو الصيانة أو المتابعة، وتؤكد أن إدارة الأزمة تدور حول التهدئة لا حول إنهاء السبب.

 

وبناء على ذلك طالب الأهالي اللواء عماد كدواني محافظ المنيا بإرسال لجان فنية لمعاينة المنطقة المتضررة، لكن قيمة اللجنة لن تظهر في الزيارة بل في قرار معلن يحدد العطل وموعد الإصلاح والجهة المسؤولة، لأن القرية لا تحتاج إلى تصوير المعاناة بل إلى وقفها.

 

كما ناشد السكان رئيس مركز ومدينة ملوي سرعة التحرك لإنهاء طفح الصرف أمام المساكن والمدافن، وتكثيف أعمال المتابعة والصيانة، وهي مطالب محددة تكشف أن الأهالي لا يطلبون خدمة إضافية بل يطلبون حقا أساسيا في شارع نظيف وشبكة صرف لا تطاردهم داخل حياتهم اليومية.

 

وتربط ليلى إسكندر، خبيرة البيئة والتنمية المحلية، بين إدارة المخلفات والصرف وبين كرامة السكان في المناطق الفقيرة والريفية، وتخدم هذه الرؤية محور المحاسبة المحلية، لأن الدولة التي تنقل كلفة الفشل إلى الأهالي تجعل المواطن يدفع صحته ووقته وكرامته بدل إصلاح المرفق العام.

 

وتكشف أزمة تونا الجبل أن الخلل لا يقف عند ماسورة أو بالوعة، بل يمتد إلى نمط إدارة يترك القرى تنتظر تدخل المحافظ بعد تفاقم الضرر، بينما يفترض أن تمنع الصيانة الدورية وصول مياه الصرف إلى أبواب البيوت ومحيط المدافن قبل أن تتحول الشكوى إلى غضب عام.

 

وتبقى مسؤولية محافظة المنيا ومركز ملوي واضحة أمام السكان، فإما أن تتحول الاستغاثات إلى إصلاح معلن لشبكات الصرف وخطة متابعة تمنع عودة الطفح، وإما أن تستمر القرية شاهدا على حكومة تتحدث عن الخدمات بينما يواجه المواطنون مياه المجاري أمام مساكنهم ومدافنهم.