تشهد العاصمة اليمنية المؤقتة عدن موجة جديدة من الاغتيالات السياسية والعسكرية، أعادت إلى الأذهان السنوات الأكثر دموية التي عاشتها المدينة منذ اندلاع الحرب اليمنية، في ظل تصاعد التوترات بين مكونات السلطة المناهضة للحوثيين، واحتدام الصراع على النفوذ الأمني والعسكري جنوب البلاد.

 

ومع كل عملية اغتيال جديدة، تتزايد المخاوف من انزلاق المدينة مجدداً إلى مربع الفوضى الأمنية والتصفيات السياسية، وسط اتهامات متبادلة بين أطراف محلية وإقليمية بالوقوف خلف هذه العمليات.

 

وخلال الأيام الماضية، تحولت شوارع عدن إلى ساحة مفتوحة لعمليات قتل منظمة استهدفت قيادات سياسية وعسكرية وشخصيات اجتماعية، في مشهد وصفه مراقبون بأنه الأخطر منذ سنوات، خصوصاً مع التطور اللافت في أساليب التنفيذ والجرأة في استهداف الشخصيات داخل أحياء مكتظة وتحت مرأى النقاط الأمنية المنتشرة في المدينة.

 

اغتيال وسام قائد يشعل موجة غضب واسعة


أحدث الجرائم التي هزت الشارع اليمني تمثلت في اغتيال مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد، بعد اختطافه من قبل مسلحين يرتدون ملابس مدنية كانوا يستقلون سيارة زرقاء في حي إنماء السكني بعدن.

 

وبحسب روايات محلية، اعترض المسلحون سيارة المسؤول اليمني تحت تهديد السلاح قبل اقتياده إلى جهة مجهولة وتصفيته لاحقاً، في عملية وثقت صورها وتداولها ناشطون على نطاق واسع.

 

وأثارت الجريمة ردود فعل غاضبة محلياً ودولياً، حيث اعتبرها ناشطون دليلاً جديداً على انهيار المنظومة الأمنية في المدينة، وعجز السلطات عن حماية المسؤولين والمدنيين على حد سواء، رغم الانتشار العسكري الكثيف للفصائل والتشكيلات المسلحة.

 

وجاء اغتيال وسام قائد بعد أقل من أسبوعين على اغتيال القيادي في حزب الإصلاح والتربوي عبد الرحمن الشاعر، الذي تعرض لوابل من الرصاص أمام مدرسته في مديرية المنصورة، قبل أن يفر منفذو العملية إلى جهة مجهولة، في حادثة أثارت صدمة واسعة داخل الأوساط التعليمية والسياسية.

 

تصاعد استهداف القيادات العسكرية


لم تتوقف العمليات عند استهداف الشخصيات المدنية والسياسية، بل امتدت إلى القيادات العسكرية رفيعة المستوى. ففي يناير الماضي، تعرض القيادي في قوات العمالقة العميد حمدي شكري لمحاولة اغتيال عبر سيارة مفخخة في مديرية دار سعد، ما أدى إلى مقتل اثنين من مرافقيه، بينما نجا هو من الهجوم.

 

كما أعلنت الأجهزة الأمنية في عدن، نهاية الشهر الماضي، تفكيك خلية وصفتها بـ"الإرهابية" كانت تخطط لتنفيذ سلسلة اغتيالات تستهدف شخصيات اجتماعية ودينية، في محاولة لإثارة الفوضى وزعزعة استقرار المدينة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية "سبأ".

 

صراع سياسي محتدم خلف المشهد الأمني


تزامنت عودة الاغتيالات مع تصاعد الخلافات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتحديداً بين مجلس القيادة الرئاسي والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، والذي يطالب بانفصال جنوب اليمن.

 

وشهدت الأشهر الأخيرة تصعيداً سياسياً غير مسبوق داخل المجلس الانتقالي، بعد دعوات لحله وإقالة قيادات بارزة منه، إلى جانب اتهامات بالخيانة طاولت رئيس المجلس عيدروس الزبيدي، في وقت يرفض فيه التيار الموالي له أي خطوات لتقليص نفوذه العسكري والأمني في عدن والمحافظات الجنوبية.

 

تحولات خطيرة في أساليب الاغتيال


الملاحظ في العمليات الأخيرة أنها نُفذت بطريقة توحي بوجود تدريب احترافي وخطط دقيقة، إذ لم تعد تعتمد على الأساليب التقليدية التي سادت بين عامي 2015 و2020، عندما كانت عمليات القتل تتم غالباً عبر دراجات نارية أو عبوات ناسفة محدودة التأثير.

 

أما اليوم، فقد أصبحت العمليات تنفذ عبر مجموعات ترتدي ملابس مدنية وتتحرك بسيارات مدنية داخل أحياء مكتظة، مع قدرة لافتة على تجاوز الحواجز الأمنية والانسحاب السريع من مواقع الاستهداف، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول الجهات القادرة على تنفيذ مثل هذه العمليات دون غطاء أو تسهيلات أمنية.

 

عدن بين إرث الفوضى وغياب العدالة


تعيد هذه التطورات إلى الواجهة ملف الاغتيالات الذي ظل مفتوحاً في عدن منذ سنوات، حيث وثقت رابطة أسر ضحايا الاغتيالات أكثر من 250 حالة اغتيال في محافظات عدن ولحج وأبين منذ عام 2015.

 

كما سجلت منظمة ACLED الأميركية عشرات عمليات ومحاولات الاغتيال التي استهدفت رجال دين وسياسيين وقيادات عسكرية خلال الأعوام الماضية، بينما وثقت منظمات حقوقية دولية، بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، انتهاكات واسعة شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري وإدارة سجون سرية من قبل تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة.

 

ويؤكد حقوقيون أن غياب المحاسبة وعدم كشف نتائج التحقيقات في معظم جرائم الاغتيال شجع على تكرارها، ورسخ حالة الإفلات من العقاب التي أصبحت أحد أبرز ملامح المشهد الأمني في جنوب اليمن.

 

القضاء الدولي يدخل على خط الاغتيالات


وفي تطور لافت، بدأت شخصيات يمنية اللجوء إلى القضاء الدولي لملاحقة المتورطين في جرائم الاغتيال، بعد سنوات من تعثر القضاء المحلي، وكان البرلماني اليمني ورئيس حزب الإصلاح في عدن إنصاف مايو قد رفع دعوى أمام محكمة فيدرالية بولاية كاليفورنيا الأمريكية ضد جنود أمريكيين سابقين، متهماً إياهم بالعمل كمرتزقة لصالح الإمارات والمشاركة في محاولة اغتياله عام 2015 ضمن برنامج اغتيالات منظم، وتستند الدعوى إلى قانون المسؤولية عن الضرر للأجانب، الذي يسمح بمحاكمة المتورطين في انتهاكات جسيمة للقانون الدولي أمام القضاء الأمريكي.

 

كما تستعد محاكم أمريكية للنظر في قضية مقتل الشاب اليمني الأمريكي عبد الملك السنباني، الذي قُتل في محافظة لحج عام 2021 على يد عناصر مسلحة تابعة للمجلس الانتقالي، وفق ما تؤكد أسرته ومحاموه.

 

حقوقيون: الإفلات من العقاب يغذي العنف


المحامي والحقوقي اليمني الأمريكي عبد الرحمن برمان اعتبر أن لجوء الضحايا إلى القضاء الدولي يمثل تحولاً جذرياً في مسار محاسبة المتورطين في الانتهاكات داخل اليمن، مؤكداً أن ما يجري في عدن يشبه إلى حد بعيد تجارب شهدتها مناطق نزاع أخرى مثل العراق.

 

وأوضح برمان أن شركات أمنية ومرتزقة أجانب لعبوا أدواراً مباشرة في تنفيذ عمليات اغتيال وتدريب فرق متخصصة بالقتل السياسي، مشيراً إلى أن ضعف مؤسسات الدولة وهيمنة التشكيلات المسلحة على الأجهزة الأمنية والقضائية حالا دون محاسبة المتورطين طوال السنوات الماضية.

 

وأضاف أن العديد من العائلات اليمنية بدأت بالفعل التواصل مع محامين ومنظمات حقوقية من أجل رفع دعاوى مشابهة، بعد فقدان الثقة في القضاء المحلي.

 

اتهامات للإمارات والحوثيين بزعزعة الاستقرار


من جهته، يرى المحلل السياسي عبد الله دوبلة أن عودة الاغتيالات تأتي في سياق محاولة بعض القوى التي فقدت نفوذها في عدن لإثبات أن المدينة ما تزال غير مستقرة أمنياً، تمهيداً لاستعادة حضورها العسكري والسياسي.

 

وأشار دوبلة إلى أن جزءاً كبيراً من عمليات الاغتيال التي شهدتها عدن خلال السنوات الماضية ارتبط بتشكيلات مدعومة إماراتياً، إلى جانب خلايا تابعة لجماعة الحوثيين، معتبراً أن الطرفين مستفيدان من استمرار حالة الفوضى داخل العاصمة المؤقتة.

 

وأكد أن السلطات اليمنية الحالية تواجه تحديات كبيرة في إعادة بناء المؤسسات الأمنية، بسبب الإرث الثقيل الذي خلفته سنوات سيطرة التشكيلات المسلحة على مفاصل الدولة، ما يجعل مهمة ضبط الأمن وكشف الجناة أكثر تعقيداً.