كشفت بيانات البنك المركزي المصري خلال مايو 2026 تراجع صافي الأصول الأجنبية لمصر بنحو 6.1 مليار دولار في مارس، ليسجل 21.3 مليار دولار مقابل 27.4 مليار دولار في فبراير، بينما أعلن المركزي ارتفاع الاحتياطي الأجنبي إلى 53.009 مليار دولار بنهاية أبريل، فظهر التناقض بين رقم مطمئن وواقع مصرفي مضغوط.

 

تضع هذه الأرقام حكومة السيسي أمام سؤال لا تجيب عنه بيانات الاحتياطي وحدها، لأن تراجع صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك التجارية بنحو 5.9 مليار دولار يعني أن الضغط لم يختف من الجهاز المصرفي، وأن وفرة الدولار المعلنة لا تمنع استمرار الحاجة إلى الاقتراض والتحويلات وامتصاص أموال المصريين في الخارج.

 

هبوط 6.1 مليار دولار يفضح ضغط البنوك التجارية

 

بعد صدور بيانات مارس، ظهر أن التراجع الأكبر جاء من البنوك التجارية، إذ انخفض صافي الأصول الأجنبية لديها بنحو 5.9 مليار دولار، بينما تراجع لدى البنك المركزي بنحو 130 مليون دولار، وهذا التوزيع يكشف أن الأزمة لم تكن حركة محاسبية بسيطة داخل الاحتياطي الرسمي.

 

في المقابل، انخفضت أصول البنوك التجارية بالعملة الأجنبية الموظفة في الخارج بنحو 3.6 مليار دولار إلى 39.4 مليار دولار، بينما زادت الالتزامات بالعملة الأجنبية بنحو 2.4 مليار دولار إلى 33.6 مليار دولار، وهي معادلة تعني أن المصارف فقدت مساحة مريحة بين ما تملكه وما تدين به.

 

لذلك، لا يجوز للحكومة أن تختصر المشهد في ارتفاع الاحتياطي إلى رقم تاريخي، لأن صافي الأصول الأجنبية يقيس موقف القطاع المصرفي كله تجاه العالم الخارجي، وعندما يهبط بهذه الحدة في شهر واحد فإن السوق يقرأ نقصًا في السيولة الدولارية لا مجرد تغير عابر.

وهنا يخدم رأي ممدوح الولي هذا المحور بوضوح، لأنه كتب سابقًا عن شواهد نقص العملات الأجنبية داخل الاقتصاد المصري، وربط بين صافي الأصول والخصوم الأجنبية في البنوك التجارية وبين توسع الاقتراض الخارجي، وهي قراءة تجعل تراجع مارس إنذارًا ماليًا لا رقمًا فنيًا.

 

وبهذا المعنى، يبدو الجهاز المصرفي كمن يحمل جزءًا من فاتورة إدارة العملة، لأن البنوك تسحب من أصولها الخارجية وتزيد التزاماتها لتلبية طلبات واحتياجات قائمة، بينما يواصل الخطاب الرسمي الحديث عن الاستقرار دون شرح كلفة هذا الاستقرار على المراكز المالية للبنوك.

 

احتياطي قياسي لا يخفي كلفة الاعتماد على مصادر هشة

 

ثم أعلن البنك المركزي ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 53.009 مليار دولار بنهاية أبريل مقابل 52.831 مليار دولار في مارس، بزيادة تقارب 178 مليون دولار، كما استقرت أرصدة الذهب عند 19.2 مليار دولار وارتفعت السيولة بالعملة الأجنبية إلى نحو 33.3 مليار دولار.

 

وعلى هذا الأساس، يقدم رقم الاحتياطي صورة إيجابية جزئية، لكنه لا يجيب عن طبيعة الموارد التي رفعت الرقم ولا عن الالتزامات المقبلة، لأن الاحتياطي قد يرتفع في الوقت نفسه الذي تتعرض فيه البنوك التجارية لضغط، وقد يتحسن الرصيد بينما يبقى الاقتصاد محتاجًا إلى دولارات جديدة لسداد الدين والاستيراد.

 

كذلك، يدعم هاني جنينة هذا المحور بصفته اقتصاديًا مستقلًا ركز في تحليلاته على أهمية قراءة الأرقام النقدية داخل سياق التمويل الخارجي والفجوة الدولارية، لأن ارتفاع الاحتياطي لا يكفي إذا بقي الاقتصاد يعتمد على أدوات قصيرة الأجل وتدفقات قابلة للخروج عند أول صدمة.

 

ومن هنا، يصبح الاحتياطي القياسي رقمًا سياسيًا مريحًا للحكومة أكثر من كونه ضمانة كاملة للمواطن، لأن المواطن لا يشتري الدولار من بيان البنك المركزي، بل يراه في سعر السلع والدواء ومدخلات الإنتاج، ويرى أثر نقص العملة في الأسعار والفوائد وتأجيل الاستيراد.

 

بناء على ذلك، لا تكشف البيانات عن انتصار نقدي صلب بقدر ما تكشف عن إدارة دقيقة لأزمة مستمرة، لأن البنك المركزي يحاول إظهار قدرة على تجميع الاحتياطي، بينما تكشف حركة صافي الأصول الأجنبية أن السيولة داخل البنوك لا تزال عرضة لضغوط كبيرة وسريعة.

 

تحويلات المغتربين تنقذ الرقم الرسمي ولا تعالج أصل الأزمة

 

في جانب الموارد، أعلن البنك المركزي ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال يوليو إلى فبراير من السنة المالية 2025/2026 بنسبة 28% لتصل إلى نحو 29.4 مليار دولار مقابل 23 مليار دولار في الفترة نفسها من السنة السابقة، وهو رقم ضخم حمل جانبًا من تحسن النقد الأجنبي.

 

إضافة إلى ذلك، ارتفعت التحويلات في فبراير 2026 وحده بنسبة 25.7% لتسجل نحو 3.8 مليار دولار مقابل 3 مليارات دولار في فبراير 2025، كما سجلت تحويلات عام 2025 نحو 41.5 مليار دولار مقابل 29.6 مليار دولار في 2024، بزيادة 40.5%.

 

ومن هذه الزاوية، تخدم ماجدة قنديل هذا المحور باعتبارها خبيرة اقتصادية ركزت على جودة مصادر النمو والاستثمار وبيئة الأعمال، لأن الاعتماد على تحويلات العاملين بالخارج يعكس قوة المصريين المهاجرين أكثر مما يعكس قوة إنتاج محلي قادر على توليد الدولار من الصناعة والتصدير.

 

بالتوازي، لا يمكن إنكار أهمية التحويلات في حماية ميزان المدفوعات، لكنها تظل دخلًا يأتي من جهد المصريين خارج البلاد، لا من سياسة صناعية ناجحة داخلها، ولذلك يصبح الاحتفال بها وحده تهربًا من سؤال أعمق عن ضعف الصادرات السلعية وقناة السويس والسياحة أمام الصدمات الإقليمية.

 

لذلك، يبدو المواطن داخل وخارج مصر طرفًا ممولًا للأزمة، فالمغترب يرسل الدولار لإنقاذ أسرته ثم يدخل رقمه في بيان نجاح حكومي، والمقيم يدفع أسعارًا أعلى بسبب كلفة الدولار والفائدة والاستيراد، بينما تستمر الحكومة في إدارة الفجوة بدل بناء اقتصاد يقلل حاجته الدائمة للعملة الصعبة.

 

ختامًا، يكشف تراجع صافي الأصول الأجنبية في مارس أن الأزمة الدولارية لم تنته رغم وصول الاحتياطي إلى 53 مليار دولار، لأن الاقتصاد الذي يفقد 6.1 مليار دولار من صافي مركزه الخارجي في شهر واحد لا يعيش وفرة مستقرة، بل يعيش توازنًا هشًا يقوم على تحويلات المغتربين والاقتراض وإدارة يومية للضغط.