كشفت مصادر حقوقية استئناف سلطات الانقلاب تنفيذ أحكام الإعدام في قضايا سياسية بعد توقف دام نحو 4 سنوات، وذلك بإعدام أحمد عزت محمد وعويد سلامة عايد وياسر محمود المزيني وأنس إبراهيم صبحي فرحات داخل سجن برج العرب، في خطوة أعادت ملف المعتقلين إلى أكثر مراحله خطورة.

 

تدفع هذه الإعدامات المشهد السياسي المصري إلى مسار معاكس لكل دعوات إغلاق ملف السجون والمصالحة الوطنية، لأن السلطة لا تفتح بابًا للحل حين تنفذ أحكامًا نهائية في قضايا سياسية واسعة الاتهام والخصومة، بل ترسل رسالة قاسية إلى المعارضين والإسلاميين والمحبوسين بأن التهدئة الرسمية بلا ضمانات حقيقية.

 

إعدام 4 في برج العرب يعيد القضايا السياسية إلى مربع الدم

 

بعد هدوء نسبي استمر نحو 4 سنوات، بدأت مصلحة السجون تنفيذ أحكام الإعدام بحق 4 محكومين في قضية أنصار بيت المقدس، وهي قضية ضمت 116 متهمًا وانتهت بتأييد أحكام إعدام ضد 21 شخصًا عام 2021، إلى جانب أحكام بالمؤبد والسجن المشدد لآخرين.

 

في المقابل، لا تظهر الواقعة كتنفيذ جنائي منفصل عن السياق السياسي، لأن الأسماء المنفذ بحقها الحكم جاءت ضمن قضية كبيرة ذات طابع أمني وسياسي، كما أن توقيت التنفيذ جاء مع تصاعد مطالبات حقوقية وسياسية بإغلاق ملف المعتقلين ووقف تدوير القضايا وفتح مسار مصالحة جاد.

 

لذلك، يحمل تنفيذ الحكم ضد أحمد عزت محمد وعويد سلامة عايد وياسر محمود المزيني وأنس إبراهيم صبحي فرحات أثرًا يتجاوز أسرهم، لأنه يفتح الباب أمام خوف أوسع لدى المحكومين الآخرين، خصوصًا مع وجود أسماء بارزة تواجه أحكامًا مشابهة في قضايا سياسية شديدة الحساسية.

 

وهنا يخدم حسام بهجت هذا المحور بوضوح بصفته مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لأن عمله الحقوقي المستمر يضع ملف المحاكمات الاستثنائية داخل سؤال دولة القانون، لا داخل رواية الأمن وحدها، ويعيد التركيز إلى الضمانات والإجراءات قبل الوصول إلى عقوبة لا رجعة فيها.

 

بناء على ذلك، يصبح الحديث الحكومي عن الاستقرار ناقصًا أمام مشهد الإعدام، لأن الدولة التي تغلق باب الحياة في قضايا سياسية لا تخفف الاحتقان، بل تضاعف خوف الأسر والمعتقلين وتدفع المجتمع إلى قراءة كل دعوة للحوار باعتبارها غطاء مؤقتًا لقرارات أكثر قسوة.

 

محاكمات استثنائية وأحكام جماعية تهدد ضمانات العدالة

 

ثم تظهر خطورة الملف في طبيعة القضايا ذات الصبغة الاستثنائية، لأن قضايا الدم تتطلب أعلى درجات التدقيق والمراجعة وضمان حق الدفاع والتحقق من الادعاءات، بينما تشير تقارير حقوقية دولية إلى أن مصر شهدت أحكام إعدام جماعية ومحاكمات شابتها عيوب خطيرة خلال السنوات الماضية.

 

وعلى هذا الأساس، لا يكفي القول إن الأحكام صارت نهائية إذا كانت إجراءات التقاضي نفسها محل طعن حقوقي واسع، لأن عقوبة الإعدام تختلف عن أي عقوبة أخرى، فهي تنهي حياة المتهم وتغلق نهائيًا احتمال ظهور أدلة براءة أو مراجعة قانونية أو كشف انتزاع اعترافات.

 

كذلك، تحذر المقارنات الدولية من أن قضايا الإعدام تحتاج زمنًا طويلًا للمراجعة، لأن أخطاء التحقيق والمحاكمة لا تظهر دائمًا مبكرًا، وقد تكشف السنوات اللاحقة براءة أشخاص أو بطلان أدلة أو تعذيبًا أو تلفيقًا، وهي احتمالات تجعل التسرع في التنفيذ خطرًا لا يمكن إصلاحه.

 

وفي هذا السياق، يخدم بهي الدين حسن هذا المحور بصفته مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان وأحد أبرز الحقوقيين المستقلين، لأن مساره الطويل في الدفاع عن ضمانات المحاكمة العادلة يضع الإعدام السياسي في قلب أزمة العدالة، لا في خانة العقوبة القضائية المجردة.

 

من ثم، تبدو أرقام أحكام الإعدام منذ 2013 صادمة في دلالتها، إذ تحدثت تقارير حقوقية عن صدور آلاف الأحكام بين 2013 و2019، ونحو 2595 حكمًا حتى 2021، مع تنفيذ مئات منها، وهو مسار يجعل العقوبة القصوى أداة ضغط جماعي لا استثناء قضائيًا نادرًا.

 

تنفيذ الإعدام ينسف خطاب المصالحة ويهدد الباقين

 

في المرحلة التالية، يتحول الخطر إلى أسماء أخرى تواجه المصير نفسه، وبينها محمد بديع ومحمود عزت ومحمد البلتاجي وصفوت حجازي وأسامة ياسين، وهي أسماء تجعل الملف سياسيًا بامتياز، لأن تنفيذ أحكام جديدة بحق رموز معروفة سيغلق فعليًا أي مساحة لمصالحة وطنية قابلة للتصديق.

 

إضافة إلى ذلك، يفاقم استخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد المعارضين والأكاديميين والنشطاء أزمة الثقة في العدالة، لأن الاتهام الواسع بالإرهاب صار بوابة لعزل خصوم سياسيين واجتماعيين، ثم يتحول الحكم القضائي إلى أداة لإنهاء وجودهم المعنوي والجسدي داخل المجال العام.

 

ومن هذه الزاوية، يخدم خالد علي هذا المحور باعتباره محاميًا وناشطًا حقوقيًا دافع في قضايا سياسية عديدة عن حقوق المتهمين وضمانات الإجراءات، لأن خبرته القانونية تكشف أن العدالة لا تقاس بصرامة الحكم، بل بقدرة المتهم على الدفاع الحقيقي أمام قضاء مستقل وإجراءات شفافة.

 

بالتوازي، تضع واقعة بلال صبحي فرحات الذي نفذ فيه الحكم سابقًا في مارس 2022 علامة إضافية على استمرار النهج، لأن السلطة لم تتراجع عن منطق الإعدام في الملفات السياسية، بل أوقفت التنفيذ نسبيًا ثم عادت إليه في لحظة تزيد فيها المطالب الحقوقية والسياسية بالتهدئة.

 

لذلك، لا يبدو استئناف الإعدامات مجرد تطبيق عقوبة، بل يظهر كقرار سياسي يهدم أي مسار جدي للحوار، لأن المصالحة تبدأ بوقف النزيف وحماية الأرواح ومراجعة الأحكام، لا بإرسال جثامين من السجون إلى الأسر بينما تتحدث السلطة عن الجمهورية الجديدة والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.

 

ختامًا، تكشف عودة تنفيذ أحكام الإعدام في القضايا السياسية أن حكومة السيسي اختارت طريق التصعيد لا التهدئة، وأن ملف المعتقلين لم يدخل مرحلة الانفراج بل دخل مرحلة أشد قتامة، وحين تتحول أحكام الموت إلى أداة في لحظة سياسية مسدودة، فإن الدولة لا تحمي العدالة بل تقتل آخر فرصة للمصالحة.