معتز الفجيري
أكاديمي وحقوقي مصري. أستاذ مساعد ورئيس برنامج حقوق الإنسان في معهد الدوحة للدراسات العليا
نشرت صحيفة نيويورك تايمز في مارس 2017 افتتاحية انتشرت دوليًا بشكل واسع بعنوان "كيف تحوّل نشطاء مصر إلى جيل السجون". رصدت الصحيفة تفاقم ظاهرة الاعتقال السياسي لصحافيين وسياسيين وحقوقيين مصريين منذ يوليو 2013، الممارسة التي ما زالت مستمرّة بلا توقف. وعلى الرغم من أن السلطات المصرية تُفرج، من حين إلى آخر، عن بعض المعتقلين، أو تعفي عن سجناء سياسيين، تبقى جذور المشكلة بلا علاج، في ظل تجدّد موجات اعتقال أشخاص جدد أو إعادة تدوير الأشخاص أنفسهم في قضايا أخرى بالاتهامات السياسية نفسها ذات الطبيعة الهلامية.
تذكرت ذلك المقال مع متابعة إعادة اعتقال الشاعر والصحافي أحمد دومة بعدما كان قد أنهى في السجن أكثر من عشر سنوات. وللمفارقة، اعتقال دومة والإعلان عن بدء محاكمته كان على خلفية مقال عن معتقلي الرأي نشر على موقع "العربي الجديد" بعنوان "من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن". وأعيد اعتقال سيد مشاغب، وهو من مؤسسي روابط مشجعي أندية الكرة، بعد إخلاء سبيله. وقي الوقت نفسه، أعلن الباحث السياسي سيف الإسلام عيد، والذي والده المسن في المعتقل منذ شهور، عن مبادرة لتسوية وضع المعتقلين السياسيين، روجها وسط أهالي المعتقلين ونوقشت داخل السجون المصرية، تقوم على إنشاء صندوق تجمع فيه فدية مالية مقابل تسوية أوضاع المعتقلين مساندةً للاقتصاد المصري المأزوم. وبصرف النظر عن الموقف من مطالبة السجناء بدفع أموال نظير حريتهم الدستورية التي لا يحقّ لأحد في الأساس من مصادرتها، فإن دعم هذه المبادرة وترويجها يعكسان حجم الألم الذي يعيشه أهالي المعتقلين السياسيين المحرومين من ذويهم سنوات طويلة، والخوف من أن يفقد كثيرون من هؤلاء حياتهم داخل زنازينهم، خصوصًا في ظروف الاحتجاز الصعبة، والمعاناة الصحية لمحتجزين كثيرين.
هل هناك ما يدفع السلطة في مصر للاستجابة لأي من هذه المطالبات والمبادرات؟ على مدار سنوات، كانت خطوات إخلاء سبيل المعتقلين أو العفو عن السجناء السياسيين بمثابة تكتيك محدود لكسب التأييد الخارجي في الأساس، أو تدجين بعض القوى السياسية خلال فترات مثلت تحدّيًا للحكم، خصوصًا مع تعاظم أزمة الاقتصاد والديون عام 2022 أو قبل الانتخابات الرئاسية نهاية عام 2023. حتى أن الخطوات المنفتحة نوعًا ما وقام بها المجلس القومي لحقوق الإنسان في العامين الأخيرين، والمعيّنة قياداته من الدولة، كانت مدفوعة بالأساس لإعادة الثقة في هذه المؤسّسة دوليًا، وخصوصًا أمام المانحين، مثل الاتحاد الأوروبي، بعد انحدار تصنيفها مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان. وقد عاد المجلس أخيرًا إلى طبيعتها المهادنة للدولة في مصر، والمهيمن عليه من الأجهزة الأمنية، بعد إعادة تشكيله أخيرًا.
في هذه الأجواء، من الصعب توقع أن تأخذ السلطة وحدها خطوة من دافع انساني فقط لتسوية أوضاع من حُرموا من حريتهم بالأساس لحماية استقرار نخبة الحكم. وتبقى معضلة التفكير في الحوافز التي يمكن أن تحرّك هذه السلطة المصرية لتعامل جدّي، سواء مع ملف المعتقلين أو تسهيل عودة المصريين في المنفى. يختلف النظام السياسي الحالي كلية عن نظام الرئيس حسني مبارك. كلاهما يتصفان بطبيعة سلطوية، لكن هامشًا واسعًا في المجال العام كان وقت مبارك، يُفتقد كليًّا، وبشكل منهجي، خلال حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي. تشعر نخبة الحكم الحالي بتهديد مستمر، ولم تتمكّن من بناء ثقة في ظهير سياسي مدني، يجعلها تتحوّل من عقلية الحكم العسكري الإقصائية، إلى هامش أرحب من التسامح الليبرالي والقبول بالتنوع السياسي، حتى في ظل البناء السلطوي لمؤسّسات الحكم.
الهاجس المركزي لنخبة الحكم الحالي تحقيق استقرار في الاقتصاد المصري، حتى وإن كان هشًّا وأعرج بطبيعته، نظرًا إلى الأمراض العضال التي يعاني منها الاقتصاد وبيئته التنافسية المحفزة للاستثمار والمبادرات الخاصة. وقد سهل تدفق المساعدات والاستثمارات الموجهة ذات الطبيعة السياسية من الحلفاء الإقليميين والدوليين من استمرار هذه المعادلة. فقد بلغت تدفقات الاستثمارات الخليجية فقط عامي 2023 و2024 نحو 41 مليار دولار مدفوعة بصفقات كبرى، مثل رأس الحكمة مع الإمارات. لكن هذه التدفقات، والتي انتقلت من مرحلة المنح إلى الاستثمارات المباشرة قد تتعرّض لنقص في مرحلة ما بعد الحرب الإيرانية، وفي ظل التعامل مع المخاطر غير المسبوقة التي تعرّضت لها دول مجلس التعاون الخليجي، وتوقع التغير النوعي في توازنات الدفاع والأمن في منطقة الخليج. وقد توقّعت تقارير اقتصادية تدهورًا قادمًا في المؤشرات المعيشية والاجتماعية في مصر. ولكن لا يرجح أن تتجه السلطة تلقائيًا بدافع تحدّيات الوضع الاقتصادي إلى تسوية ملف المعتقلين بشكل جاد، والتخفيف من القبضة الأمنية على المجال العام، ما لم يتزامن هذا مع تشكل تكتلات سياسية مطلبية، فالمعاناة الاقتصادية وحدها لا تصنع تغييرًا سياسيًّا من دون فاعلين قادرين على البناء والاستثمار مجتمعيًا وسياسيًا، والتفاوض والحوار مع السلطة الحاكمة.
وقد تمثل السنوات الحالية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2030، في ظل سعي رئاسي إلى تعديل الدستور للسماح بفترات رئاسية جديدة، فرصة مناسبة لا ينبغي اضاعتها للضغط من أجل بلورة ملامح أكثر انفتاحا للحياة السياسية والمدنية المصرية تتجاوز، في طموحها، أهداف تحرير جزئي وانتقائي للمعتقلين أو إعادة بعض المنفيين، حيث ترتبط هذه الملفات عضويًا بالإغلاق الكامل للمجال العام بمكوناته السياسية والمدنية والإعلامية، ولن تحدُث اختراقات نوعية فيها، طالما بقي الوضع السياسي في مصر جامدًا تتحكّم السلطة فيه بكل المخرجات والمبادرات. تبقي قضية المعتقلين من القضايا المركزية، ليس فقط بوصفها قضية إنسانية فقط، بل باعتبارها اختبارًا لطبيعة النظام السياسي المصري، وإمكانات انفتاحه وتطوره.

