كشفت شهادات فلسطينيين، عن تفاقم أزمة تسرب مياه الصرف الصحي في مناطق واسعة من مدينة غزة، بعد دمار شبكات البنية التحتية ومحطات المعالجة بفعل القصف والنسف والتجريف الإسرائيلي، ما دفع المياه العادمة إلى الشوارع ومحيط مخيمات النزوح، وهدد صحة آلاف المواطنين المحاصرين وسط نقص المياه النظيفة والخدمات الطبية.

 

تفضح هذه الكارثة الوجه الأشد قسوة للحصار الإسرائيلي، لأن الاحتلال لا يكتفي بتدمير المنازل والطرق، بل يمنع أيضًا دخول المعدات والمواد اللازمة لإصلاح شبكات الصرف الصحي. ولذلك يعيش النازحون بين أنقاض بيوتهم ومستنقعات المياه الملوثة، بينما يتحول وقف النار إلى غطاء هش لا يوقف الخطر اليومي على الأطفال والمرضى وكبار السن.

 

منازل محروقة ومياه عادمة تقترب من الناجين

 

في حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، تراقب منال إسماعيل اقتراب مياه الصرف الصحي من المكان الذي تقيم فيه داخل ما تبقى من منزلها المحروق. وتقول إن سكان المنطقة لم يعودوا يخافون من القصف وحده، لأن المياه الملوثة صارت تحمل أمراضًا وروائح لا يستطيع الأهالي دفعها أو الهروب منها.

 

وبحسب شهادتها، لم تكن المنطقة تعاني بهذا الشكل قبل الحرب، إذ كانت حالات الطفح محدودة ونادرة، لكن الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية جعل المياه العادمة تغزو الأحياء السكنية. ويعني ذلك أن المواطن الذي نجا من القصف يواجه الآن خطرًا آخر صنعه تخريب الاحتلال للخدمات الأساسية.

 

وفي حي الرمال الشمالي، يعيش وسام عبد الحي فوق أنقاض منزله الذي دمرته غارة إسرائيلية قبل إعلان اتفاق وقف النار يوم 10 أكتوبر 2025. ويقول الأب لأربعة أطفال إن بركة كبيرة من الصرف الصحي تحاصر مكان نزوحه، وإن أبناءه أصيبوا بأمراض وسط غياب الدواء الكافي.

 

ومن جهة أخرى، حاول عبد الحي الانتقال إلى مكان أقل تلوثًا، لكن الاكتظاظ وغياب البدائل جعلا النزوح الجديد مستحيلًا. وتوضح هذه الشهادة أن أزمة الصرف الصحي لا تنفصل عن أزمة السكن، لأن آلاف العائلات لا تجد مساحة آمنة ولا مأوى صحيًا بعد تدمير البيوت.

 

خطر صحي يهدد الأطفال والمياه الجوفية

 

مع تكدس النازحين في مساحات ضيقة، تصبح المياه العادمة مصدرًا مباشرًا للأمراض المعدية، خصوصًا في الجزء الغربي من مدينة غزة الذي يستقبل أعدادًا كبيرة من السكان. ويحذر مسؤولون ومراقبون من انتشار الإسهال الحاد والتهابات الجلد وأمراض الجهاز التنفسي بين الأطفال والنازحين.

 

كما يضاعف نقص المياه النظيفة والخدمات الصحية خطورة المشهد، لأن العائلة التي تحاصرها مياه الصرف لا تملك وسائل كافية للتنظيف أو الوقاية أو العلاج. ولذلك تتحول الإصابة البسيطة إلى أزمة ممتدة، ويصبح الطفل أكثر عرضة للمرض بسبب الحشرات والرطوبة والملوثات المتراكمة حول الخيام والأنقاض.

 

إضافة إلى ذلك، يشكل تسرب الصرف الصحي تهديدًا طويل الأمد للمياه الجوفية في القطاع. فالمياه العادمة التي تنتشر في الشوارع وبرك تجميع الأمطار لا تبقى على السطح فقط، بل تتسرب إلى التربة وتزيد تلوث مصادر المياه المحدودة أصلًا في غزة.

 

وتؤكد بلدية غزة أن الاحتلال ألحق أضرارًا كبيرة بشبكات ومحطات الصرف الصحي، ما أدى إلى توقف المنظومة وتدفق المياه العادمة إلى الشوارع وشاطئ البحر وبرك تجميع مياه الأمطار. ونتيجة لذلك زادت الحشرات والقوارض، وتفاقمت الكارثة الصحية والبيئية داخل المدينة.

 

خطة بلدية محدودة أمام حصار يمنع الإعمار

 

رغم ضعف الإمكانات، شرعت بلدية غزة في تنفيذ خطة للتخفيف من أزمة تدفق مياه الصرف الصحي إلى الشوارع وبرك تجميع مياه الأمطار. وتستهدف الخطة إعادة تشغيل أجزاء من المنظومة المعطلة، لكنها تبقى محاصرة بنقص المعدات والمواد وغياب الاستقرار الميداني.

 

وبدأت البلدية أعمال إصلاح خط الصرف الصحي الناقل من محطة ضخ الصرف الصحي B7 في حي الزيتون جنوب شرق المدينة، بهدف إعادة ضخ المياه العادمة إلى محطة المعالجة في منطقة الشيخ عجلين، ووقف تدفقها إلى بركة تجميع مياه الأمطار في حي الشيخ رضوان.

 

وتشمل الخطة أيضًا تنظيف الخطوط الناقلة لمحطة الصرف الصحي PS5 في منطقة المنارة، إضافة إلى محطات أخرى داخل مدينة غزة. وتهدف هذه الأعمال إلى تسهيل انسيابية المياه العادمة وإعادتها إلى محطة المعالجة الرئيسية في الشيخ عجلين، ضمن محاولة عاجلة للحد من الطفح المستمر.

 

غير أن البلدية تؤكد أن هذه الجهود لا تكفي وحدها أمام حجم الدمار، لأن إعادة تأهيل شبكات الصرف تحتاج إلى مواسير ومعدات وقطع غيار ووقود ووقت. ولهذا ناشدت المنظمات الدولية توفير الاحتياجات الطارئة لإصلاح المرافق المدمرة والتخفيف من الكارثة.

 

وفي المحصلة، لا تبدو أزمة الصرف الصحي في غزة خللًا خدميًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لحرب دمّرت البنية التحتية وحصار يمنع إصلاحها. وبين منزل منال المحروق وبركة وسام الملوثة وخطوط البلدية المعطلة، يظهر وجه آخر للجريمة الإسرائيلية، حيث يواصل الدمار تهديد حياة الناس حتى بعد توقف القصف.