سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط

 

اتخذت الحكومة المصرية، أخيرًا، خطواتٍ وقراراتٍ، في كلّ منها دليل يؤكّد النظرة الفوقية للدولة تجاه الشعب، لعلّ أكثرها أهمية تبرير رفع أسعار الوقود بأسباب تناقض تبريرات أخرى قدّمتها الحكومة سابقًا. والاستخفاف بالمجتمع نمط راسخ في نظرة السلطة إلى المجتمع في مصر؛ فطوال الأعوام العشرة الماضية، كثيرًا ما اتخذت الحكومات إجراءاتٍ تضرّ بالمصريين وتُفقرهم، وكانت جميعها مغلّفة بتبريرات ساذجة لا تُقيم للمجتمع وزنًا، ولا تحترم عقول أبنائه.

 

مثلًا، قبل سبعة أعوام فوجئ المصريون بدعوة حكومية رسمية إلى المساهمة في تمويل إنشاء تفريعة جديدة لقناة السويس. وبالفعل، خلال أيّام قليلة تجمّع لدى الدولة أكثر من 60 مليار جنيه مصري. وبعد عامَين فقط، أقرّ رأس السلطة شخصيًا بأنّ شقّ تلك التفريعة كان هدفه "رفع الروح المعنوية" للمصريين. ثم تقرّر إنشاء مدينة جديدة شرقي القاهرة ("العاصمة الإدارية")، ولم تقدّم الدولة تفسيرًا لدواعي تأسيس تلك المدينة أو ما ستستفيده عجلات العمل الحكومي من ابتعاد الوزارات والمؤسّسات الرسمية أكثر من 60 كيلومترًا من قلب القاهرة. ومع بدايات العام الحالي، بدأ ترويج اسم جديد للمدينة هو "العاصمة الجديدة"، من دون صفة "الإدارية". وذلك تمهيدًا لتحويل المدينة المستحدَثة إلى العاصمة الرسمية. وكان المصريون خارج ذلك التسلسل، من دون التشاور المجتمعي حول الفكرة قبل تنفيذها، ومن دون إعلان تفسيرات واضحة مُعزَّزة بدواعٍ اقتصادية أو غيرها.

 

وهكذا أصبحت القاعدة استبعاد المجتمع، وتجاهل رأيه في استنفاد مداخيل الدولة في مشروعات استهلاكية غير إنتاجية، بما في ذلك حزمة سكك حديد تشمل مونوريل وقطارًا خفيفًا وقطارًا سريعًا، وعشرات الجسور والطرق غير الضرورية، مزّقت شرايين القاهرة الكُبرى وشرّدت ساكنيها. حتى إن حيًّا واحدًا في القاهرة (مدينة نصر) بات مسقوفًا بـ15 جسرًا عُلويًا، منها خمسة متتالية طول كلّ منها نحو 500 متر، في شارع لا يزيد طوله على عشرة كيلومترات (شارع مصطفى النحّاس).

 

ليست المشكلة فقط في أنّ تلك المشروعات غير ذات جدوى اقتصادية أو اجتماعية (بأيّ معيار). فأساس المشكلة عدم الرجوع إلى الشعب المصري قبل تدشين أيٍّ من تلك المشروعات، كما لو كان المصريون أطفالًا غير مؤهّلين للاختيار أو التمييز بين الصالح والطالح في مصايرهم، حتى وصل الحال بالمسؤولين إلى حدّ الخداع في التصريحات الرسمية؛ فرُفعت أسعار المحروقات على خلفية حرب إيران، رغم أنّ الواردات من الطاقة هي بعقود آجلة، وهو التبرير الحكومي لعدم خفض أسعار الوقود محلّيًا تماشيًا مع السعر العالمي. ومع تزايد إشارات قرب انتهاء الحرب، بادر رئيس الحكومة مصطفى مدبولي إلى استباق المطالبة بخفض الأسعار، فأعلن أنّ تأثيرات الحرب مستمرّة، ولن تنتهي بانتهائها.

 

ومن شواهد الاستخفاف بالرأي العام واستغبائه، كذب الحكومة بخصوص المشروعات الكُبرى التي تستنزف مبالغ طائلة كانت كفيلة بإنشاء مصانع وتشغيل ملايين العمال. بدءًا من مشروع العاصمة الجديدة (الإدارية سابقًا) التي أعلن مدبولي، غير مرّة، أنّ تمويلها خارج موازنة الدولة، بينما الواقع أنّ المؤسّسة العسكرية لها 60% من ملكية الشركة المنفّذة للمشروع. وقبل أيّام فقط، كرّر مدبولي الخدعة ذاتها بتأكيده أنّ الدولة "لم تنفق جنيهًا واحدًا" في مشروع سكني ضخم تنفّذه مجموعة طلعت مصطفى بتكلفة 27 مليار دولار. والحقيقة أنّ المموّل الرئيس للمشروع ليس وزارة أو جهة حكومية مباشرة، وإنّما البنك الأهلي، أكبر بنك حكومي مصري، هو المموّل الرئيس (!).

 

هكذا تدير السلطة في مصر قراراتها، فتتجاهل المجتمع، وتستغلّ خنوع برلمان صنعته على أعينها. وكلّما عنَّ لها استرضاء الشعب، أو ربّما إلهاؤه، تمارس ألاعيب إقناعية، فتقدّم ترضيات شكلية، ظاهرها التنازل وباطنها التحايل.