تشهد جبهة جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً متسارعاً، في ظل توسيع نطاق العمليات الإسرائيلية إلى مناطق تقع خارج ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو خط عسكري تقول إسرائيل إنها حددته لضبط نطاق عملياتها. غير أن الضربات الجوية الأخيرة تكشف عن تحول ميداني لافت، يعكس اتجاهاً نحو توسيع رقعة الاشتباك وفرض واقع أمني جديد على الأرض.
ففي ساعات فجر اليوم، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع في عمق الجنوب اللبناني، مدعياً أنها منصات لإطلاق الصواريخ تابعة لحزب الله وتشكل "تهديداً فورياً". اللافت في هذه الضربات أنها طالت مناطق تقع شمالي الخط الذي سبق أن روّجت له إسرائيل كحد فاصل لعملياتها، ما يطرح تساؤلات حول نواياها الحقيقية ومدى التزامها بأي قواعد اشتباك غير معلنة.
التصعيد لم يأتِ بمعزل عن سياق ميداني مشحون، إذ سبقه يوم دامٍ شهد تنفيذ نحو 31 غارة وهجوماً إسرائيلياً متفرقاً على مناطق لبنانية، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وفق مصادر لبنانية.
في المقابل، رد حزب الله بعمليات عسكرية نوعية، استهدفت آليات عسكرية وتجمعات لجنود إسرائيليين، وأعلن إسقاط طائرة مسيّرة من طراز "هيرمس 450"، في خطوة تحمل دلالات عسكرية تتجاوز البعد التكتيكي إلى رسائل ردع مباشرة.
وامتدت الغارات الإسرائيلية لتشمل مناطق عدة، من بينها وادي الحجير، صريفا، ياطر، تولين، وخربة سلم، وسط قصف مدفعي كثيف طال بلدات حدودية، بالتزامن مع تحليق مكثف للطائرات المسيّرة فوق بيروت وضاحيتها الجنوبية، إضافة إلى مناطق في البقاع مثل بعلبك. ويعكس هذا الانتشار الجوي محاولة إسرائيلية لفرض سيطرة استخبارية وميدانية أوسع، تتجاوز نطاق الجنوب المباشر.
على الأرض، لم تهدأ وتيرة الاشتباكات، حيث شهدت مدينة بنت جبيل مواجهات عنيفة بين مقاتلي حزب الله وقوات الاحتلال، في مشهد يعيد إلى الأذهان نمط الحروب الحدودية المفتوحة. وقد أقر الجيش الإسرائيلي بخسارة إحدى طائراته المسيّرة خلال هذه المواجهات، ما يعكس تصاعد كفاءة الرد الميداني من الجانب اللبناني.
بالتوازي، كثّفت إسرائيل من تحذيراتها لسكان الجنوب اللبناني، داعيةً إياهم إلى عدم الاقتراب من مناطق واسعة تشمل محيط نهر الليطاني وأودية رئيسية، إضافة إلى حظر العودة إلى عشرات القرى. وتُفسَّر هذه التحذيرات على أنها تمهيد لعمليات أوسع، وربما لإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية.
في السياق ذاته، أفادت الوكالة الوطنية اللبنانية للإعلام بسماع دوي انفجارات قوية في مدينة الخيام، إلى جانب قصف طال بلدة حولا، وتحليق مكثف للطائرات المسيّرة في أجواء الضاحية الجنوبية وبعلبك. كما شهدت بلدة مروحين إطلاق نار من أسلحة رشاشة، في ظل اشتباكات مستمرة على عدة محاور.
ويبرز في هذا التصعيد مفهوم "الخط الأصفر" الذي بدأت إسرائيل بتطبيقه سابقاً في قطاع غزة، قبل أن تنقله إلى الساحة اللبنانية. ووفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، فإن هذا الخط يمثل نطاقاً عسكرياً متقدماً يمتد لعدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، ويستند إلى خطوط انتشار الصواريخ المضادة للدروع التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية خلال العمليات البرية.

