تكشف أرقام مشروع موازنة 2026/2027 عن فجوة واضحة بين خطاب الحكومة عن دعم المواطنين وبين بنود مالية تضغط على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية. الحكومة رصدت نسبًا أقل بكثير من الاستحقاق الدستوري، بينما واصلت توسيع الضرائب وخفض دعم الوقود وترك فوائد الدين في صدارة المصروفات العامة.
تأتي هذه الأرقام بعد دعاية رسمية متكررة عن حماية المواطنين من تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لكن بيانات الموازنة تقدم صورة مختلفة. المواطن يدفع ضريبة أعلى ووقودًا أغلى وخدمة عامة أضعف، في وقت تحصل فيه الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي على مخصصات لا توازي الدستور ولا التضخم ولا حجم الأزمة المعيشية.
الصحة والتعليم خارج النص الدستوري مجددًا
بحسب عرض تقديرات موازنة 2026/2027 الذي عرضه وزير المالية أحمد كجوك أمام مجلس النواب في 22 أبريل 2026، رصدت الحكومة 422.3 مليار جنيه لقطاع التعليم، وهي تمثل 1.72% فقط من الناتج المحلي الإجمالي المستهدف البالغ 24.5 تريليون جنيه، بدلًا من 6% التي يفرضها الدستور للتعليم.
وفي السياق نفسه، رصدت الحكومة 368.9 مليار جنيه للصحة، وهي تساوي نحو 1.51% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع، بدلًا من 3% كحد أدنى دستوري. هذا الفارق لا يعكس نقصًا فنيًا في بند فرعي، بل يعكس قرارًا سياسيًا مستمرًا بتأجيل حق المواطنين في العلاج والخدمة الصحية العامة.
ومنذ صدور دستور 2014، تلزم المواد الخاصة بالإنفاق العام الحكومة بحد أدنى قدره 3% للصحة، و4% للتعليم قبل الجامعي، و2% للتعليم الجامعي، و1% للبحث العلمي. كما انتهت المهلة الانتقالية لتطبيق هذه النسب مع بداية العام المالي 2016/2017، أي إن المخالفة لم تعد مرتبطة بمرحلة انتقالية.
وبعد ذلك، لم تكتف الحكومة بخفض النسب الفعلية، بل استخدمت طريقة حسابية تضخم الأرقام على الورق. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية رصدت أن الحكومة أضافت نسبًا من فوائد الدين إلى مخصصات التعليم والصحة، مع أن هذه الأموال لا تدخل خزائن المدارس أو المستشفيات ولا تتحول إلى خدمة مباشرة للمواطنين.
وفي العام المالي الحالي 2025/2026، حملت الحكومة قطاعي التعليم والصحة 790 مليار جنيه من فوائد القروض، حتى تظهر المخصصات أقرب إلى النسب الدستورية. هذه الحيلة تجعل خدمة الدين جزءًا اسميًا من الإنفاق الاجتماعي، بينما يعرف المواطن أن الفصل المدرسي المزدحم والمستشفى الناقص لا يستفيدان من فوائد القروض.
ومن هنا، تصبح تصريحات عبد الفتاح السيسي في 2023 اعترافًا سياسيًا لا تفصيلاً عابرًا، لأنه قال إن الدولة لا تملك الأموال اللازمة للاستحقاقات الدستورية للتعليم والصحة. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية اعتبرت ذلك اعترافًا بتجاهل أحكام الدستور، وطالبت بمساءلة الحكومة والبرلمان عن سنوات عدم الالتزام.
وفي هذا الإطار، تؤكد أستاذة الاقتصاد عالية المهدي أن التعليم والصحة من أهم ما يشغل المواطنين عند مناقشة الموازنة، وأن الحكومة تستطيع إعادة ترتيب الأولويات بدلًا من توسيع الإنفاق على الطرق والكباري. هذا الرأي يضع أرقام 2026/2027 في مواجهة سؤال مباشر عن أولوية الإنسان داخل الموازنة.
الضمان الاجتماعي يتراجع والوقود يفقد دعمه
في المقابل، تقول الحكومة إن موازنة 2026/2027 تستهدف تحسين مستوى معيشة المواطن وتعزيز الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية، لكن بند الضمان الاجتماعي زاد 2% فقط ليصل إلى 55.2 مليار جنيه. هذه الزيادة تقل كثيرًا عن معدل التضخم السنوي البالغ 13%، ولذلك يخسر المستفيدون قوة شرائية بدلًا من الحصول على حماية فعلية.
ويشمل بند الضمان الاجتماعي معاش تكافل وكرامة ومعاش الطفل، ولذلك تمس الزيادة الضعيفة الأسر الأكثر تعرضًا للفقر المباشر. كما أن نسبة 2% تمثل أقل زيادة منذ العام المالي 2022/2023، بعدما تراوحت زيادات السنوات السابقة بين 22.8% و48.4% وسط تراجع قيمة العملة وارتفاع أسعار الغذاء والخدمات.
وبالتزامن مع ذلك، خفضت الحكومة مخصصات دعم المواد البترولية بنسبة 79%، من 75 مليار جنيه في موازنة 2025/2026 إلى 15.8 مليار جنيه في مشروع موازنة 2026/2027. هذا الخفض يأتي مع إعلان حكومي سابق عن رفع الدعم عن الوقود بالكامل استجابة لمسار الإصلاح المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي.
وبسبب هذا الخفض، تنتقل تكلفة الطاقة تدريجيًا من الخزانة العامة إلى جيوب المواطنين. كل زيادة في الوقود ترفع تكلفة النقل والإنتاج والغذاء، ثم تصل الزيادة إلى الأسر عبر أسعار الخبز غير المدعم والخضروات والمواصلات والخدمات اليومية، بينما لا يواكب بند الضمان الاجتماعي هذه الزيادات.
وفي قراءة سابقة لملف العدالة الاجتماعية، قالت الباحثة الاقتصادية سلمى حسين إن التحايل على نسب الإنفاق الدستوري للصحة والتعليم والبحث العلمي ما زال مستمرًا، وإن الإنفاق الحقيقي ظل أقل من نصف المطلوب دستوريًا رغم زيادته الاسمية في بعض السنوات. هذا التوصيف ينسجم مع تراجع الحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة.
ثم ربطت حسين ضعف الالتزام الدستوري بفشل الحكومة في تحقيق عدالة ضريبية كافية، إذ أشارت إلى أن رفع الحصيلة كان يمكن أن يمول التعليم والصحة إذا اتجهت الحكومة نحو الضرائب على الثروة والدخول العليا. لكن موازنة 2026/2027 توسع الجباية العامة من دون ضمان واضح لتوجيهها نحو الفقراء.
الضرائب والفوائد تبتلعان الموازنة
على الجانب الآخر، تستهدف الحكومة رفع الحصيلة الضريبية بنحو 745 مليار جنيه وبمعدل نمو 27%، لتصل الإيرادات الضريبية إلى 3.5 تريليون جنيه. وتمثل هذه الضرائب نحو 88% من إجمالي الإيرادات البالغة 4 تريليونات جنيه، بما يعني أن المواطن والممولين يتحملون معظم تمويل الدولة.
وفي الوقت نفسه، تستحوذ مدفوعات الفوائد على نحو 2.4 تريليون جنيه في موازنة 2026/2027، بما يعادل حوالي 60% من إجمالي الإيرادات، ونحو 47% من إجمالي المصروفات المقدرة بنحو 5.1 تريليون جنيه. هذه الأرقام تعني أن الدائنين يحصلون على أولوية فعلية قبل المدارس والمستشفيات والدعم.
وبعد سداد هذه الفوائد، تتبقى النسبة الأقل موزعة على الأجور وشراء السلع والخدمات والمصروفات الأخرى والاستثمارات العامة والدعم والمنح والمزايا الاجتماعية. ولذلك تتحول الموازنة إلى جدول سداد كبير، بينما تصبح بنود الخدمة العامة منافسة على ما يتبقى بعد الدين لا على ما يحتاجه المجتمع.
وفي هذا السياق، يتوقع مشروع الموازنة ارتفاع دين أجهزة الموازنة العامة من 15.9 تريليون جنيه في 2025/2026 إلى 19.1 تريليون جنيه في 2026/2027، بنسبة زيادة 20.1%. هذا النمو في الدين يجعل تخفيض الإنفاق الاجتماعي سياسة مستمرة، لأن الفوائد الجديدة تعيد إنتاج الضغط نفسه في كل عام مالي.
ومن زاوية الاقتصاد السياسي، يركز الباحث عمرو عادلي في أعماله على علاقة الدين والنمو وفرص التعافي في مصر، ويربط بين ضغوط التمويل الخارجي وضعف قدرة الاقتصاد على توفير مدخلات الإنتاج. هذه المقاربة تساعد على فهم موازنة 2026/2027 باعتبارها نتيجة لمسار دين طويل لا بندًا محاسبيًا منفصلًا.
وفي النهاية، لا تقدم موازنة 2026/2027 مجرد أرقام جامدة، بل تقدم ترتيبًا واضحًا للأولويات. الحكومة تخفض النصيب الحقيقي للصحة والتعليم، وتزيد الضرائب، وتقلص دعم الوقود، وتمنح فوائد الدين مركز الصدارة. هذه الموازنة لا تحمي المواطن، بل تطلب منه تمويل أزمة لم يصنعها، ثم تمنحه خدمة عامة أضعف ودعمًا أقل ودينًا أكبر.

