دخلت الحكومة الإيرانية أسبوعًا جديدًا من إدارة الخسائر تحت النار وهي تواجه أرقامًا ثقيلة تكشف اتساع الضربات الأمريكية والإسرائيلية منذ 28 فبراير، إذ نقلت وكالة تاس عن قناة إس إن إن الإيرانية أن نحو 138000 منشأة مدنية تضررت داخل إيران، بينها أكثر من 113000 مبنى سكني وحوالي 23500 عقار تجاري وأكثر من 300 منشأة طبية و32 جامعة و993 مؤسسة تعليمية أخرى، وهي حصيلة لا تسمح للسلطة بالاكتفاء بخطاب الصمود بينما تتسع الفجوة بين حجم الدمار وقدرة الدولة على الاستجابة.
وتزداد هذه الفجوة وضوحًا لأن الحكومة نفسها أقرت بأن التقديرات الأولية لخسائر الحرب بلغت 270 مليار دولار وفق ما أعلنته المتحدثة باسمها فاطمة مهاجراني في 14 أبريل، وهو رقم قالت طهران إنه غير نهائي، بما يعني أن الدولة لا تقف فقط أمام أزمة ترميم واسعة بل أمام انكشاف اقتصادي وإداري يتجاوز السردية الرسمية التي حاولت لأسابيع حصر المواجهة في بعدها العسكري وحده.
اتساع الدمار المدني يكشف فشل الحماية ويضغط على التعليم والصحة والسكن
توضح الحصيلة الإيرانية المعلنة أن الكتلة الأكبر من الأضرار أصابت المباني السكنية بما يتجاوز 113000 مبنى، وهو ما يضع ملف الإيواء والخدمات الأساسية في صدارة الأزمة، لأن تضرر هذا العدد من الوحدات لا يعني فقط خسارة عقارات بل يعني نزوحًا داخليًا وتعطلًا يوميًا للمياه والكهرباء والنقل والخدمات البلدية في مناطق واسعة.
ثم تكشف الأرقام نفسها أن الضربات لم تتوقف عند الأحياء السكنية، لأن نحو 23500 منشأة تجارية تضررت أيضًا، وهو ما يضاعف الضغط على السوق المحلية وعلى فرص العمل وعلى سلاسل التوريد الداخلية، خاصة في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من أثر الحصار وتعطل الملاحة وتراجع النشاط الاقتصادي المرتبط بالمدن المتضررة.
كما يظهر الامتداد الأخطر للأزمة في القطاعين الصحي والتعليمي، لأن المعطيات التي نقلتها تاس عن القناة الإيرانية تشمل أكثر من 300 منشأة طبية و32 جامعة و993 مؤسسة تعليمية، وهو ما ينقل الحرب من مستوى الاستهداف العسكري إلى مستوى تعطيل الحياة العامة وإرباك القدرة على العلاج والتعليم وإعادة الإنتاج اليومي للمجتمع.
وفي هذا السياق حذرت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميرجانا سبولياريتش إيغر في 23 مارس من أن الحرب على البنية الأساسية الحيوية هي حرب على المدنيين، بينما نقل تحليل قانوني منشور في 13 أبريل أن استهداف مرافق الطاقة المدنية محظور وأن أي هجوم عليها يخضع لقيود صارمة تتعلق بالتناسب والاحتياطات وحماية السكان.
270 مليار دولار تكشف كلفة سياسية واقتصادية لا تستطيع طهران تغطيتها بالشعارات
أعلنت فاطمة مهاجراني في 14 أبريل أن التقديرات الأولية لخسائر الحرب بلغت 270 مليار دولار، وأضافت أن الجهات المختصة تواصل حصر الأضرار تمهيدًا لإعلان أدق، وهو ما يعني أن الرقم الحالي ليس سقف الخسارة بل بدايتها المحاسبية فقط، خاصة مع استمرار آثار الحرب على المصانع والشركات والمباني المدنية والخسائر البشرية.
ويكتسب هذا الرقم دلالة أشد لأن الحكومة الإيرانية طرحت ملف التعويضات في محادثاتها مع واشنطن في إسلام آباد بحسب ما نقلته الجزيرة عن تصريحات مهاجراني، ما يكشف أن طهران نفسها تعرف أن فاتورة الإعمار والاقتصاد تتجاوز قدرتها المالية الحالية، وأن خطاب الثبات الداخلي لا يلغي حاجتها إلى مسار تفاوضي تنتزع عبره مكاسب مالية وسياسية.
ومن ثم لا تنحصر الخسائر داخل إيران وحدها، لأن رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية توم فليتشر قال في 11 مارس إن الحرب عطلت سلاسل الإمداد الإنسانية ورفعت تكاليف الطاقة والغذاء وأثرت في المساعدات المتجهة إلى مناطق أخرى، بما يوضح أن هذا التصعيد لم يوسع الخراب داخل إيران فقط بل وسع أثره الإقليمي والإنساني أيضًا.
كذلك أشار نيل شيرينغ الباحث المشارك في برنامج الاقتصاد والتمويل العالمي في تشاتام هاوس إلى أن العبء الأثقل سيقع على المنطقة نفسها وأن الاقتصاد الإيراني مرشح لتراجع يتجاوز 10% إذا طال أمد الحرب، وهو تقدير ينسجم مع رقم 270 مليار دولار ويكشف أن الحكومة الإيرانية تواجه ضربة اقتصادية لا تكفي الدعاية الرسمية لتغطيتها.
كلفة واشنطن البشرية والمالية تفضح حربًا مفتوحة بلا أفق سياسي واضح
في المقابل لا تخرج الولايات المتحدة من هذه الحرب بلا خسائر، لأن وكالة أسوشيتد برس نقلت عن المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية تيم هوكينز أن 399 جنديًا أمريكيًا أصيبوا منذ بداية الحرب وأن 354 منهم عادوا إلى الخدمة، بينما بلغ عدد القتلى 13 جنديًا، وهو رقم يكشف أن الحرب التي قُدمت بوصفها حملة محسوبة تحولت إلى استنزاف بشري متصاعد.
ثم يزداد هذا الاستنزاف وضوحًا في الكلفة المالية، لأن رويترز نقلت في 11 مارس عن مصدر مطلع أن الإدارة الأمريكية قدرت كلفة أول 6 أيام من الحرب بما لا يقل عن 11.3 مليار دولار خلال إحاطة مغلقة للكونغرس، وهو تقدير لم يكن يشمل كامل الفاتورة المتوقعة ولا كلفة الاستمرار ولا كلفة التعويض العسكري لاحقًا.
وبعد ذلك تحدثت تقارير متابعة عن أن الإنفاق الأمريكي تجاوز 51.2 مليار دولار خلال 46 يومًا من العمليات العسكرية ضد طهران استنادًا إلى موقع يتابع تكاليف الحرب ونقلته تاس ومنصات أخرى، وهو ما ينسف خطاب الحسم السريع ويظهر أن واشنطن دفعت عشرات المليارات في حرب ما زالت تبحث عن مخرج تفاوضي قبل نهاية الهدنة الحالية.
وفي المحصلة لا تبدو هذه الأرقام مجرد بيانات متفرقة عن مبانٍ مهدمة أو خسائر مادية أو إصابات عسكرية، لأن تجميعها في لحظة واحدة يكشف صورة أكثر وضوحًا، وهي أن حكومة طهران أخفقت في حماية الداخل وتدير الآن دولة مثقلة بالركام، بينما تنفق واشنطن المليارات وتعيد جنودها الجرحى من حرب اتسع مداها أكثر مما وعد به أصحاب القرار في بدايتها.
المشهد الحالي لا يمنح الحكومة الإيرانية رفاهية الادعاء بأن الأمور تحت السيطرة، لأن 138000 منشأة مدنية متضررة و270 مليار دولار خسائر أولية وقطاعات سكن وصحة وتعليم وتجـارة مضروبة تعني أن الدولة خسرت قدرة الحماية قبل أن تبدأ معركة التعافي، وأن الثمن السياسي لهذه الحرب بدأ يظهر بوضوح داخل أرقام الخراب نفسها قبل أي خطاب رسمي آخر.

