د. سعيد الحاج
باحث في الشأن التركي والقضية الفلسطينية والشؤون الإقليمية
بغض النظر عما إذا توقفت الحرب على إيران في سياق المفاوضات أم استؤنفت، فإن أحد أهم الأسئلة المرتبطة بها هو تأثيرها على القضية الفلسطينية عموما وغزة خصوصا وحركات المقاومة بشكل أكثر تخصيصا.
وإذا كانت الارتدادات على حركات المقاومة وفي مقدمتها حماس مفروغ منها، من باب أن الحرب تدور أصلا بين عدوها الوحيد وداعمها الأكبر عسكريا، فإن تأثيراتها على قطاع غزة والقضية عموما مما ينبغي النظر فيه والتركيز عليه.
فقد سعت "إسرائيل" لاستغلال الحرب على إيران وانشغال دول المنطقة والعالم بها لحرف الأنظار عن الأوضاع في غزة، ثم الاستفراد بها وبالفلسطينيين عموما.
فعلى التوازي مع تراجع غزة في أجندة التغطية الإعلامية في سياق التركيز على الجبهات الساخنة في كل من إيران ولبنان و"إسرائيل" ودول الخليج العربي في المقام الأول، وتراجع الاهتمام السياسي كذلك للأسباب ذاتها، شعرت "إسرائيل" أنها في أريحية تامة للتملص من التزاماتها وفق اتفاق وقف إطلاق النار وخطة ترامب، ولا سيما فيما يتعلق بالبعد الإنساني.
فلا المعابر فُتحت، ولا المساعدات الإنسانية دخلت بالمستوى المنصوص عليه والمحتاج له، ولا سُمح بخروج المصابين والمرضى ولا دخول الراغبين في العودة. فكانت النتيجة عودة شبح المجاعة للقطاع رغم مرور شهور على إعلان وقف إطلاق النار، بسبب شح المواد الداخلة للقطاع، وارتفاع الأسعار، وغيرها من العوامل التي صنعت على عين الاحتلال.
وأما الخروقات فحدّث ولا حرج، من استمرار الاحتلال وعدم الانسحاب، لهدم البيوت وتفجير المناطق، وصولا لعمليات الاغتيال لعناصر المقاومة والإدارات الحكومية فضلا عن خيام النازحين.
أكثر من ذلك، فقد استغلت حكومة الاحتلال ظروف الحرب والانشغال بها لفرض مسارات ذات تأثير سلبي استراتيجي على القضية الفلسطينية، من قبيل إغلاق المسجد الأقصى طيلة مدة الحرب التي توافقت مع شهر رمضان والعيد، وإقرار الكنيست لقانون إعدام الأسرى العنصري. وقد مرَّ الأمران، بكل أسف، دون ردة فعل رسمية وشعبية تتناسب مع حجم الخطر الناجم عنهما.
وأخيرا، فقد عملت الإدارة الأمريكية بإيعاز "إسرائيلي" على تعظيم الضغوط على حركة حماس وفصائل المقاومة لفرض مسألة نزع السلاح، من خلال "ورقة ميلادينوف" التي قُدمت لها مشفوعة بتهديد صريح بعودة الحرب إن لم يُوافق عليها كما هي تماما وسريعا، وهو ما رفضه الفلسطينيون كما كان منتظرا مع المطالبة بالضغط لالتزام الاحتلال باستحقاقات المرحلة الأولى.
بهذا المعنى، تكون حكومة نتنياهو قد استغلت ظروف الحرب والانشغال بها عربيا وإقليميا ودوليا للاستفادة القصوى في مواجهة الفلسطينيين، قضية وفصائل. لكن القصة لا تنتهي هنا. ففي المقابل، فإن تطورات الحرب ونتائجها حتى لحظة وقف إطلاق النار المؤقت تحمل انعكاسات إيجابية للقضية الفلسطينية بما تظهره من سلبيات في خانة الاحتلال على صعيد الاتجاهات العامة وطويلة الأمد للحرب.
ففي المقام الأول، أظهرت الحرب حتى اللحظة تآكل الردع الأمريكي وتأثر صورتها كقوة عظمى قادرة على فرض إرادتها في المنطقة والعالم، وعزلتها النسبية عن حلفائها الأوروبيين، ما يصب في صالح أطراف أخرى في مقدمتها الصين وروسيا على المديين المتوسط والبعيد.
وهناك ما يتعلق بخطط "إسرائيل" الفاشلة حتى اللحظة في إنهاء "التهديدات" في كل من لبنان واليمن وإيران، مضافا لعدم قدرتها على إنهاء المقاومة في غزة عسكريا. وهو ما ينبغي أن يُقيّم جنبا إلى جنب مع فكرة الجبهات المفتوحة في مواجهة دولة الاحتلال في كل هذه الدول، والتي لا يرجح أن تهدأ الأمور فيها في المدى المنظور، ما يشكل استنزافا طويل الأمد لها على جميع المستويات العسكرية والأمنية والاقتصادية.
وهناك ما يرتبط بتوجس العديد من الأطراف في العالم العربي والإسلامي من مشاريع التوسع "الإسرائيلية" في المنطقة، وفي مقدمة هؤلاء تركيا وباكستان والسعودية ومصر، حيث ترى هذه الدول أنفسها أهدافا محتملة لـ"إسرائيل" في حال قدر لها تنفيذ ما تسعى له في فلسطين/غزة ولبنان وإيران.
يعني كل ما سبق أنه ثمة مساحات للمناورة أمام الجانب الفلسطيني، ولا سيما فصائل المقاومة، على المديين المتوسط والبعيد إن أحسن إدارة المرحلة الحالية، وأن إرادة الإدارة الأمريكية وحكومة الاحتلال ليست قدرا محتوما. يتيح ذلك إمكانية تخفيف الضغوط على الجانب الفلسطيني، وتوجيهها نحو الاحتلال للالتزام باستحقاقات المرحلة الأولى قبل مطالبة الفصائل الفلسطينية بنقاش -فضلا عن تنفيذ- المرحلة الثانية.
وهنا، بقدر ما تقع على المفاوض الفلسطيني مسؤولية وطنية للصمود وتصليب الموقف التفاوضي وعدم تقديم أي تنازلات، بقدر ما تقع على كاهل الدول الوسيطة/الضامنة مسؤولية تاريخية لتحصين هذا الموقف الفلسطيني بعدّه إحقاقا للحق نسبيا، وحماية للحقوق الفلسطينية في حدودها الدنيا، ومساهمة في حماية هذه الدول ذاتها من مخاطر التوسع "الإسرائيلي" الذي يبدو أن حائط الصد الأخير في مواجهته قبل استباحة المنطقة برمتها هو حالة المقاومة الفعلية القائمة ضده حاليا.

