وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

لم يذهب دأب الدولة اللبنانية الرسمية على طرْق باب نتنياهو هدرًا، ولم يتناثر نضال رئيس الحكومة نوّاف سلام ورئيس الجمهورية جوزاف عون ضد مقاومة الاحتلال أدراج الرياح، ولم يكن كفاح السفير السابق السفير السابق سيمون كرم، منذ خطبته الشهيرة بكنيسة القديّس يوسف في الثاني من يوليو الماضي، ضدّ بسالة المقاومين في حرب إسناد الشعب الفلسطيني، جهدًا ضائعًا، فقد رقّ قلب مجرم الحرب نتنياهو أخيرًا وأعلن الآتي: "في ضوء طلبات لبنان المتكرّرة لفتح مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، أصدرتُ أمس تعليماتي لمجلس الوزراء بفتح مفاوضات مباشرة مع لبنان في أسرع وقت ممكن"، مردفًا: "نُقدّر دعوة رئيس وزراء لبنان اليوم لنزع السلاح حيث ستركّز المفاوضات على نزع سلاح حزب الله".

 

تقول تل أبيب إنّ التفاوض سيكون تحت النار، إذ لا وقف لعمليات التوغّل وفرض واقع ديموغرافي جديد في الجنوب اللبناني، أثناء التفاوض الذي قيل، بحسب القناة 12 الصهيونية، إنّ السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحائيل ليتر هو من سيقود المفاوضات المباشرة مع الرئيس اللبناني جوزاف عون. سفير يفاوض رئيس دولة، هذه معادلة إن تحقّقت، فإنها تبيّن كيف ينظر العدو إلى من يتسوّلون منه التفاوض. تتحوّل المفاوضات في عقل نوّاف سلام القادم إلى رئاسة حكومة لبنان بعد اغتيال رمز المقاومة، وعنوان كرامة لبنان العربي، المقاوم الشهيد حسن نصر الله، إلى غايةٍ في ذاتها، لا وسيلة لانتزاع حقّ أو منع باطل، إذ أعلن مبكّرًا في نوفمبر الماضي في تصريحات لوكالة بلومبرغ أنّ تل أبيب رفضت التفاوض، وأنّ لبنان سيطلب دعمًا أميركيًا لفتح مسار تفاوضي مع إسرائيل"، وأنّه "يكرّر العرض السابق باستعداد لبنان للتفاوض بشأن الحدود البرية والمناطق التي ما زالت "تحتفظ بها إسرائيل" التي وصفها بأنها "عديمة القيمة أمنيًا وعسكريًا".

 

لم تمرّ أيام على هذا التزلّف إلى ترامب ونتنياهو حتى انعقد أوّل لقاء مباشر بين لبنان الرسمي والكيان الصهيوني في الناقورة بالجنوب اللبناني المحتلّ، وكان ممثّل لبنان فيه سيمون كرم صاحب أكثر المعادلات شذوذًا عن المنطق بعبارته المضحكة "التمسّك بالسلاح تمسّك بالاحتلال"، وكأنّ هذا السلاح منذ الاجتياح الصهيوني للبنان في 1982هو الذي دعا العدو إلى التوغّل في جغرافيا لبنان، بينما الواقع يؤكّد أنّ لبنان كلّه كان يغنّي ويهتف لهذا السلاح وأهله حين تصدّوا لكلّ العدوانات الصهيونية المتكرّرة حتى تحرّر الجنوب في العام 2000، ثم كان أهل السلاح، أيضًا، مفخرة لبنان كلّه في حرب العام 2006 التي شنّها العدو. هذا السلاح الذي لولاه ما كان جوزاف عون هو"العماد" ثم رئيسًا للدولة فيما بعد.

 

إلحاح نوّاف سلام على طلب الودّ الصهيوني، وإظهار العداء للمقاومة لم يتوقّف منذ حملته الرياح إلى رئاسة الحكومة اللبنانية، ليصبّ سخائمه على المقاومة، ويصدر قرارًا حكوميًا بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله واعتبارها كلّها خارجة على القانون، في اللحظة التي يزفّ فيها للشعب اللبناني بكلّ سرور: "أسقطنا حظر التفاوض مع إسرائيل"، فيسارع  الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، إلى مهاتفته مهنئًا  بما سمّاه "القرار المهم".

 

هنيئًا للمهرولين باستجابة نتنياهو لتوسّلاتهم، والعزاء للبنان في استشهاد رمز مقاومته وكرامته السيد حسن نصر الله الذي رحل قبل نحو عامَين، لكن هذه اللحظة البائسة هي الإعلان الرسمي عن موته، ومعه قضية كرامة وطن وحرية حقيقية لم يحدث في التاريخ كلّه أنّها يمكن أن تأتي هديةً من عدو هو الأكثر انحطاطًا من دون منافس.

 

اليوم فقط يتأكّد موت الشهيد نصر الله الذي قال قبل رحيله، وهو يعلن خوض المعركة إسنادًا وشراكة للشعب الفلسطيني: "لو أردنا أن نبحث عن معركة كاملة الشرعية فلا معركة مثل القتال ضدّ الصهاينة". والتهنئة أيضًا لنظام عربي احتفل بإجبار غزّة على الانتحار وها هو يحتفل بخطوة مماثلة من لبنان الآن.