أصبحت أرقام الموازنة في مصر لا تسمح بخطاب حكومي مريح عن الأولويات أو الكفاءة أو توسيع الحماية الاجتماعية، لأن البند الذي يستحوذ على النصيب الأكبر من الإنفاق لم يعد التعليم ولا الصحة ولا الأجور، بل فوائد الديون نفسها.

 

التقرير المالي الشهري الصادر عن وزارة المالية عن فبراير 2026 أظهر أن فوائد الديون سجلت 1.482 تريليون جنيه خلال الفترة من يوليو إلى يناير من العام المالي 2026/2025، مقابل 1.052 تريليون جنيه في الفترة نفسها من العام السابق، فيما بلغت المصروفات 2.625 تريليون جنيه.

 

هذه الأرقام تعني أن خدمة الدين ظلت البند الأثقل على الخزانة حتى قبل اكتمال السنة المالية، وتؤكد أن الدولة التي تواصل الاقتراض بدعوى الاستقرار والتنمية باتت تنفق الجزء الأكبر من مواردها على تكلفة هذا الاقتراض نفسه، بينما تبقى القطاعات الاجتماعية في موقع المتلقي لما يتبقى بعد السداد.

 

وفي مشروع موازنة 2026/2025 نفسه، قدرت الحكومة مصروفات الفوائد عند 2.298 تريليون جنيه من إجمالي مصروفات تبلغ 4.573 تريليون جنيه، أي ما يعادل 50.2% من المصروفات المتوقعة، بينما رصد تحليل مركز حلول للسياسات البديلة أن نصيب الفرد من الإنفاق على التعليم لا يتجاوز 2910 جنيهات سنويًا، وأن نصيب الفرد من الصحة يبلغ 2274 جنيهًا فقط، في وقت يتجاوز فيه نصيب الفرد من مدفوعات الفوائد 21223 جنيهًا.

 

بهذا المعنى لا تبدو الأزمة مجرد اختلال محاسبي داخل الجداول، بل تبدو نتيجة مباشرة لسياسات نقلت العبء المالي إلى قلب الموازنة، ثم تركت المواطن يواجه تراجع الخدمات تحت لافتة الانضباط المالي.

 

خدمة الدين تتحول من بند كبير إلى البند المسيطر

 

ثم تكشف مقارنة السنوات الأخيرة أن ما يجري ليس قفزة عابرة بل مسارًا متصلًا في اتجاه واحد. ففي مشروع موازنة 2023/2024، بلغت فوائد الديون 1.12 تريليون جنيه بما مثل 37.4% من إجمالي المصروفات، قبل أن ترتفع في مشروع موازنة 2025/2026 إلى 2.298 تريليون جنيه بما يعادل 50.2% من المصروفات. وبين الرقمين اتسعت مساحة خدمة الدين داخل الموازنة بصورة سريعة، بينما لم يتحقق تحول مواز في قدرة الدولة على تخفيف الاعتماد على الاستدانة.

 

وبعد ذلك جاءت بيانات التنفيذ الفعلي لتؤكد أن المسار لم يتوقف عند حدود التقديرات الورقية. فالتقرير الشهري لوزارة المالية عن فبراير 2026 أظهر أن فوائد الديون بلغت 1.482 تريليون جنيه خلال سبعة أشهر فقط، من إجمالي مصروفات بلغ 2.625 تريليون جنيه، مقابل 1.052 تريليون جنيه في الفترة المقابلة من العام السابق. هذا الفارق يكشف أن عبء الفوائد يواصل الصعود حتى مع تكرار الحديث الرسمي عن تحسن مؤشرات الدين.

 

وفي هذا السياق، قال الدكتور مدحت نافع في مقابلة مع شبكة اقتصادية إن الخطر الحقيقي في الاقتصاد المصري لا يزال متركزًا في الدين، وإن الأعطاب الهيكلية ما زالت تضغط على الاستدامة رغم تحسن بعض المؤشرات الكلية. أهمية هذا التقدير أنه يصدر عن خبير يميز بين التحسن الظاهر في بعض الأرقام وبين استمرار الضغط البنيوي الذي تفرضه المديونية على المالية العامة، وهو ما تعكسه أرقام الفوائد الحالية بوضوح.

 

الإنفاق الاجتماعي يتراجع عمليًا أمام أولوية السداد

 

وفي المقابل، تكشف أرقام مركز حلول للسياسات البديلة عن الصورة الاجتماعية المباشرة لهذا الاختلال، إذ يزيد نصيب الفرد من مدفوعات الفوائد على 21223 جنيهًا سنويًا، بينما لا يتجاوز نصيب الفرد من التعليم 2910 جنيهات، ومن الصحة 2274 جنيهًا. هذه المقارنة لا تحتاج إلى شرح مطول، لأن الفجوة نفسها تقول إن الدولة تدفع أولًا للدائنين، ثم تعيد ترتيب ما يتبقى على المواطنين والخدمات الأساسية.

 

وبسبب هذا الاختلال، حذر الباحث الاقتصادي أحمد قطب في حديث صحفي من أن التهام خدمة الديون للإنفاق العام يدفع الحكومة إلى زيادة الضرائب وتخفيض الإنفاق وتقليل جودة الخدمات. هذا التقدير ينسجم مع المسار الظاهر في الموازنة، لأن تضخم بند الفوائد يزاحم تلقائيًا الأجور والدعم والاستثمار الاجتماعي، ويجعل أي حديث عن تحسين حياة المواطنين رهينًا أولًا بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية.

 

كما أشار الباحث في الاقتصاد السياسي مصطفى يوسف إلى أن خدمة الديون الكبيرة تقلل قدرة الحكومة على توجيه الإنفاق لتحقيق التنمية المستدامة وتحسين مستوى المعيشة، لأنها تستهلك معظم الإنفاق العام وتضعف تمويل البرامج الاقتصادية والاجتماعية الأخرى. هذا الرأي يكتسب وزنه من اتساقه مع الأرقام الرسمية نفسها، لا من كونه توصيفًا سياسيًا فقط، لأن بنية الموازنة الحالية تؤكد أن موارد معتبرة تذهب إلى السداد قبل الوصول إلى الخدمة العامة.

 

كلفة الاقتراض المرتفعة تعيد إنتاج الأزمة عامًا بعد عام

 

ثم تعود جذور المشكلة إلى طريقة تمويل العجز نفسها، لأن الحكومة واصلت التوسع في الاقتراض المحلي والخارجي مع الاعتماد الكبير على أدوات دين قصيرة الأجل. وزارة المالية قالت في استراتيجية الدين متوسطة المدى المنشورة في يناير 2026 إنها تستهدف تقليل الاعتماد على أذون الخزانة القصيرة وزيادة الإصدارات الأطول أجلًا، كما أشارت إلى خفض العوائد على الأوراق المالية الحكومية المحلية بمتوسط 2.5% في النصف الأول من العام المالي الحالي. صدور هذه الاستراتيجية بهذا الوضوح يعني أن الوزارة نفسها تقر بأن هيكل الدين السابق كان يفاقم الكلفة والمخاطر.

 

ولذلك لا يبدو مستغربًا أن ترتبط زيادة فوائد الديون بارتفاع أسعار الفائدة وبالاعتماد على استحقاقات قصيرة مرتفعة الكلفة. بيانات سوق الدين المصرية في 2024 أظهرت أن متوسطات العائد على أذون الخزانة دارت حول مستويات بين 25.25% و26% في بعض العطاءات، وهو ما يعكس بيئة تمويل باهظة على الخزانة العامة. وعندما تقترض الدولة بهذه الشروط، فإنها تنقل تكلفة الفائدة مباشرة إلى الموازنة ثم إلى الخدمات والضرائب.

 

كما أن تراجع قيمة الجنيه يضيف ضغطًا آخر على خدمة الدين الخارجي، لأن كل هبوط جديد في العملة المحلية يرفع الكلفة الحقيقية للالتزامات المقومة بالنقد الأجنبي. مركز حلول للسياسات البديلة أشار إلى أن هذا النمط يجعل مصر شديدة التعرض لتقلبات سعر الصرف، وهو ما يعني أن عبء الدين لا يرتفع فقط بسبب الاقتراض الجديد، بل يرتفع أيضًا بسبب البيئة النقدية التي تجعل السداد الخارجي أكثر كلفة من سنة إلى أخرى.

 

وفي هذا الإطار، حذر هاني توفيق من أن زيادة الدين لسداد ديون مستحقة تعيد إنتاج حلقة مفرغة، وقال إن كسر هذه الدائرة يحتاج إلى إصلاحات هيكلية لا إلى إجراءات ترقيعية تتعامل مع النتيجة لا السبب. هذا التوصيف يضع اليد على جوهر الأزمة الحالية، لأن الموازنة لا تتحمل فقط دينًا قائمًا، بل تتحمل أيضًا تكلفة تدويره المستمر في بيئة تمويل قاسية وموارد محدودة.

 

وفي النهاية، لا تطرح أرقام الموازنة المصرية سؤالًا تقنيًا عن إدارة بند مالي واحد، بل تطرح سؤالًا سياسيًا مباشرًا عن الجهة التي تدفع ثمن السياسات الحالية. حين تستحوذ فوائد الديون على نصف المصروفات تقريبًا، ويتراجع نصيب التعليم والصحة إلى هذه المستويات، فإن الأزمة تصبح أزمة أولويات قبل أن تكون أزمة حسابات. وإذا استمر هذا المسار، فإن الحكومة لن تواجه فقط ضغوطًا مالية متزايدة، بل ستواجه أيضًا تآكلًا أوسع في قدرة الموازنة على أداء وظيفتها الاجتماعية الأساسية، وهو تآكل لا يمكن تغطيته بخطاب رسمي عن التحسن بينما يبتلع السداد معظم الموارد العامة.