فجر فيلم «برشامة» منذ طرحه في دور العرض المصرية خلال موسم عيد الفطر 2026 موجة جدل تجاوزت حدود المنافسة السينمائية المعتادة، بعدما اقترن اسمه بإيرادات قياسية اقتربت من 100 مليون جنيه في أيام قليلة، وباتهامات واسعة على مواقع التواصل بتقديم معالجة ساخرة مستفزة لملامح دينية داخل سياق الغش والخداع. وقد وثقت تغطيات صحفية هذا الجدل، حتى لو لم تثبت جميع الروايات المتداولة بالصيغة القصوى التي انتشرت بين الجمهور.

 

لم يعد الاعتراض هنا متعلقًا بفيلم كوميدي نجح في شباك التذاكر فقط، بل اتصل بسؤال أوسع عن حدود ما تسمح به الرقابة، وعن الكيفية التي يُستدعى بها التدين الشعبي إلى الشاشة بوصفه مادة للسخرية أو التشويه أو التعميم. وهذا هو السبب الذي نقل المعركة من قاعات العرض إلى المجال العام، حيث تداخلت الإيرادات القياسية مع غضب أخلاقي وديني لم تتجاهله التغطيات الصحفية خلال الأيام الأخيرة من مارس 2026.

 

جدل ديني بدأ من مشهد واحد واتسع إلى اتهام الفيلم كله

 

ثم بدأ مسار الغضب المعلن من مشهد تداولته حسابات كثيرة بوصفه مسيئًا أو غير دقيق في تناوله لمسألة دينية، وهو المشهد الذي أشارت إليه تغطية منشورة في 23 مارس 2026 باعتباره محور الهجوم الأول على الفيلم. وركزت المادة المنشورة على حوار ساخر تضمن إحالة فقهية اعتبرها معترضون خاطئة أو مستفزة، ما جعل الجدل الديني موثقًا في حده الأدنى حتى لو ظل كثير من الاتهامات الأخرى متداولًا بلا إثبات منشور.

 

وبعد ذلك، اتسع الاعتراض لأن شريحة من الجمهور لم تقرأ المشهد باعتباره زلة عابرة داخل حوار كوميدي، بل باعتباره مؤشرًا على نزعة أوسع داخل العمل تستسهل استدعاء الرموز الدينية في سياقات التهكم والسخرية. وهذا ما يفسر انتقال الغضب من نقد تفصيل بعينه إلى اتهام الفيلم بأنه يخلط بين نقد النفاق الاجتماعي وبين العبث بقداسة المجال الديني في وعي المشاهدين.

 

وفي هذا السياق، دافع الناقد طارق الشناوي عن العمل وقال إن السخرية جزء من طبيعة الفن، في موقف يعكس اتجاهًا داخل النقد يرى أن الجدل لا يساوي الإدانة. لكن هذا الدفاع نفسه يوضح حجم الأزمة، لأن الحاجة إلى تبرير السخرية تؤكد أن الفيلم تجاوز عتبة الاعتراض العادي ودخل منطقة اشتباك مباشر مع جمهور رأى أن الحساسية الدينية لم تُعامل بحذر كاف.

 

إيرادات قياسية صنعت نفوذًا تجاريًا ولم تُسقط الاعتراض الأخلاقي

 

ثم جاءت الأرقام لتمنح الفيلم حصانة سوقية لا يمكن إنكارها، إذ وصل إجمالي إيراداته في 27 مارس 2026 إلى 98,352,950 جنيهًا، مع بيع 800 ألف تذكرة في أسبوعه الأول وتحقيق 23.2 مليون جنيه في يوم واحد، بحسب بيانات منشورة في الصحافة الفنية. هذه الأرقام وضعت «برشامة» في قلب سباق شباك التذاكر، لكنها لم تُنهِ السجال حول ما إذا كان النجاح التجاري يغطي على خلل أخلاقي متصاعد.

 

لكن هذا الصعود التجاري نفسه زاد حدة الاعتراض بدل أن يخففه، لأن المعترضين لم ينظروا إلى الإيرادات باعتبارها شهادة براءة، بل باعتبارها دليلًا على اتساع أثر الفيلم بين جمهور واسع. وعندما يتحول عمل مثير للجدل الديني إلى ظاهرة جماهيرية، فإن السؤال لا يعود عن حرية صانع العمل فقط، بل عن مسؤولية السوق والرقابة في تمرير هذا الأثر وتوسيعه.

 

وفي المقابل، وصف محمود عبد الشكور الفيلم بأنه «أحد أفضل أفلام العام» و«كوميديا الموسم بامتياز»، معتبرًا أن السيناريو محكم ونادر. وهذا التقدير النقدي المؤيد مهم لأنه يبين أن الجدل لم ينشأ من فشل فني أو ضعف حرفي، بل من شعور قطاع من الجمهور بأن فيلمًا ناجحًا ومصنوعًا بإتقان استخدم هذه الحرفية نفسها في تمرير معالجة مستفزة أخلاقيًا عند بعض المشاهدين.

 

الرقابة في قلب الأزمة لأن مرور الفيلم فتح باب المساءلة العامة

 

وبسبب ذلك، انتقل الضغط إلى جهة أخرى هي الرقابة على المصنفات، لأن عبور الفيلم إلى دور العرض ثم تصدره للإيرادات جعلا السؤال عن المسؤولية المؤسسية حاضرًا بقوة. ولم أعثر في المصادر المنشورة حتى الآن على قرار رسمي بحذف مشاهد من «برشامة» أو على دعوى قضائية موثقة ضده، لكن مجرد طرح هذه المطالب بكثافة يبين أن الرقابة أصبحت جزءًا من الأزمة لا طرفًا خارجها.

 

كما زاد هذا السؤال لأن موسم العيد نفسه شهد تدخلًا رقابيًا مع فيلم آخر هو «سفاح التجمع»، حيث ربطت تقارير صحفية بين الرقابة وسحب العمل بسبب مشاهد عنف. وعندما يحدث هذا في الموسم نفسه، يصبح التساؤل مشروعًا حول المعايير التي تشدد على العنف في عمل، بينما تسمح بمرور مشاهد أو معالجات أثارت في عمل آخر اتهامات تمس الدين والآداب والوعي العام.

 

وفي هذا الموضع، قالت ماجدة خير الله إن «برشامة» فيلم ناجح فنيًا، وإن القيود المبالغ فيها للرقابة تضر بصناعة السينما المصرية. هذا الموقف لا ينفي الجدل، بل يضعه في قلب معركة أوسع بين من يطالبون بتشديد المنع ومن يرون أن الخوف من الموضوعات الحساسة يضعف الإبداع. غير أن بقاء الجدل مفتوحًا يعني أن الفيلم لم يمر بهدوء، وأن الرقابة لم تحسم أصل الأزمة جماهيريًا.

 

ولذلك، فإن القضية الآن لا تتعلق بإدانة نهائية لفيلم أو تبرئته النهائية بقدر ما تتعلق بحقيقة ثابتة ظهرت خلال أيام قليلة من عرضه. الفيلم حصد أرقامًا ضخمة، وأثار غضبًا دينيًا وأخلاقيًا موثقًا، واستدعى دفاعًا نقديًا صريحًا، ووضع الرقابة تحت المجهر. وهذه العناصر مجتمعة تفسر لماذا تحول «برشامة» من فيلم عيد ناجح إلى أزمة رأي عام تتجاوز حدود الشاشة.

 

وأمام ذلك، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع الكوميديا أن تستخدم الحساسية الدينية ثم تطلب من الجمهور ألا يغضب، وهل يكفي النجاح التجاري لتخفيف مسؤولية العمل عن أثره العام. الوقائع المنشورة حتى الآن تقول إن «برشامة» كسب السوق سريعًا، لكنه خسر هدوء الاستقبال، وفتح معركة لن تتوقف عند الإيرادات وحدها، لأن ما يراه البعض حرية فنية يراه آخرون عبثًا مباشرًا بما لا يحتمل العبث.