نشر جهاز الشؤون المعنوية التابع للقوات المسلحة تقريرًا توضيحيًا حاول من خلاله وضع القرارات الأخيرة الخاصة بترشيد استهلاك الطاقة داخل إطار دولي مضطرب، وقال إن الدولة لا تتحرك بمعزل عن حرب واسعة واضطراب ممتد في أسواق الوقود والغاز. وقد جاء هذا الخطاب في لحظة يتسع فيها غضب المواطنين من ارتفاع أسعار الوقود والمواصلات والخدمات، ومن قرارات الإغلاق المبكر التي مست تفاصيل الحياة اليومية. ومن هذه الزاوية، بدا التقرير محاولة مباشرة لإعادة تقديم الإجراءات الحكومية باعتبارها استجابة اضطرارية لا خيارًا سياسيًا اختارته السلطة في مواجهة الأزمة. كما بدا التقرير محاولة لربط التململ الشعبي بتطورات خارجية حتى يتراجع السؤال الداخلي عن أسباب انتقال العبء سريعًا إلى المواطن. وفي هذا المعنى، حملت الرسالة نبرة دفاعية واضحة أكثر مما حملت اعترافًا صريحًا بحجم الكلفة الاجتماعية الواقعة على الناس.


https://www.youtube.com/watch?v=xN1kXaCFhsg&t=46s

 

وجاءت أهمية هذا الخطاب لأن الإجراءات الحكومية لم تبق في حدود البيانات الرسمية، بل دخلت مباشرة إلى الأسواق والشوارع ووسائل النقل ومواعيد العمل. وقد أعلنت الحكومة بدء تطبيق حزمة ترشيد جديدة منذ 28 مارس 2026، شملت خفض مخصصات الوقود للسيارات الحكومية بنسبة 30 بالمئة، وإبطاء الأعمال كثيفة الاستهلاك للوقود، وتنظيم العمل من المنازل لبعض القطاعات الإدارية، ثم إغلاق المحال والمراكز التجارية عند التاسعة مساءً مع استثناء يومي الخميس والجمعة حتى العاشرة. لذلك لم يعد النقاش متعلقًا بعنوان عام اسمه ترشيد الاستهلاك، بل صار متعلقًا بمن يدفع الثمن أولًا، وكيف تدير الدولة الأزمة حين تتراجع القدرة الشرائية أصلًا تحت ضغط الغلاء. وهنا بالتحديد ظهر تقرير الشؤون المعنوية كرسالة سياسية موجهة إلى رأي عام غاضب لا إلى جمهور يطلب مجرد شرح إداري.

 

سردية الأزمة العالمية تسبق الاعتراف بالأزمة المحلية

 

لكن التقرير لم يبدأ من الداخل، بل انطلق من سردية تقول إن مصر تواجه ما تواجهه كجزء من مشهد عالمي مضطرب فرضته الحروب والأزمات الإقليمية. وقد أشار هذا الخطاب إلى أن أسواق الطاقة الدولية تعرضت لضغوط حادة، وأن دولًا عديدة اضطرت إلى إجراءات استثنائية لتقليل الاستهلاك وضبط الإنفاق. وبذلك وضع التقرير أساسه التبريري الأول على فكرة أن الحكومة لا تبتدع الأزمة، بل تتعامل مع موجة أوسع تضرب العالم كله.

 

وفي هذا السياق، استدعى التقرير نماذج من دول مثل الهند وباكستان وسريلانكا، وقال إن هذه الدول لجأت إلى تقنين حصص الوقود، وتقليص ساعات العمل، واللجوء إلى العمل والدراسة من المنازل لمواجهة اختناقات الإمداد. كما أشار إلى أن حتى الدول المنتجة للنفط والغاز رفعت أسعار الوقود بدرجات متفاوتة للتكيف مع الارتفاع العالمي. وهكذا حاول التقرير أن يثبت أن الإجراء المصري ليس استثناءً منفردًا داخل المنطقة.

 

ثم دعم خبير الطاقة الكهربائية أحمد الشناوي هذا المسار حين قال إن التصعيد العسكري في الخليج منذ 28 فبراير 2026 أدى إلى أزمة طاقة عالمية، وإن مصر اضطرت إلى استيراد شحنات عاجلة من الغاز والمازوت بعدما قفزت الكلفة الشهرية بصورة كبيرة. وقد أضاف الشناوي أن الشبكة المصرية تملك قدرة إنتاجية تكفي الاستهلاك في الظروف العادية، لكن المشكلة ترتبط بتوافر الوقود اللازم لتشغيل المحطات التقليدية.

 

قرار الإغلاق يكشف من يتحمل العبء في النهاية

 

لكن انتقال الحكومة من هذا التبرير العام إلى قرار إغلاق المحال عند التاسعة مساءً كشف سريعًا أن العبء الفعلي نزل على النشاط اليومي للمواطنين وأصحاب الأعمال الصغيرة. وقد أقر تقرير الشؤون المعنوية نفسه بأن القرار صعب اجتماعيًا، لكنه وصفه بأنه إجراء استثنائي فرضته الضرورة من أجل الحفاظ على استمرار الخدمات الأساسية وتجنب العودة إلى انقطاع الكهرباء المتكرر أو تخفيف الأحمال لساعات طويلة. وبذلك قدم التقرير المفاضلة باعتبارها بين ضررين لا بين بدائل متعددة.

 

وبعد ذلك، اتسعت الاعتراضات لأن قطاعات واسعة رأت أن القرار لا يوزع الكلفة بعدالة. وقد نقلت تغطيات اقتصادية حديثة شكاوى من زيادة الزحام المروري في ساعات الذروة بعد دفع المتسوقين إلى النزول مبكرًا، وهو ما يرفع استهلاك الوقود بدل تخفيضه في بعض الحالات. كما حذر تجار وأصحاب أنشطة ليلية من تراجع الإيرادات وتقلص فرص العمل في محال ومطاعم ومقاه تعتمد على حركة المساء.

 

كما عرض الخبير الاقتصادي محمد جاب الله رأيًا أكثر حدة حين قال إن الإغلاق عند التاسعة قد يدفع جزءًا من الاستهلاك إلى المنازل، وهي الشريحة الأعلى أصلًا في الاستهلاك، بما يعني أن التخفيض الظاهر في المحال قد لا يساوي تخفيضًا حقيقيًا في الفاتورة الكلية. وهنا برز السؤال العملي حول ما إذا كانت الدولة تعالج موضع الاستهلاك فعلًا أم تنقل عبئه من قطاع إلى آخر أقل قدرة على الاحتمال.

 

في المقابل، قدم الدكتور حافظ سلماوي، الرئيس السابق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، قراءة مختلفة حين قال إن الإجراءات الحالية مؤقتة واستثنائية، وإن المحال تمثل نحو 8 بالمئة من استهلاك الكهرباء، بينما تمثل إنارة الشوارع نحو 3 بالمئة. وقد أوضح سلماوي أن الدولة تراجع القطاعات التي يمكن خفض استهلاكها في لحظة ضغط على الوقود، وهو ما وفر للحكومة سندًا فنيًا في الدفاع عن القرار ولو لم ينهِ الجدل الاجتماعي حوله.

 

خطاب الجيش يحاول تهدئة الغضب لا نفي آثاره

 

لذلك لم يتوقف دور التقرير عند شرح القرار، بل اتجه إلى إدارة رد الفعل الشعبي عليه. فقد ظهر بوضوح أن جهاز الشؤون المعنوية، بوصفه الذراع الإعلامية التابعة للقوات المسلحة، دخل إلى المشهد ليهدئ غضبًا متصاعدًا سببه ارتفاع أسعار الوقود والمواصلات والخدمات الأساسية، إلى جانب الإغلاق المبكر للمحال والقيود المفروضة على استهلاك الكهرباء والغاز. وهكذا تحول البيان التوضيحي إلى أداة تهدئة سياسية موجهة للشارع.

 

وعلى هذا الأساس، حرص التقرير على القول إن تواصل القوات المسلحة مع الرأي العام يهدف إلى توضيح الصورة الكاملة للمشهد الاقتصادي، وإلى طمأنة المواطنين بأن الإجراءات الحالية وضعت من أجل حماية استقرار الاقتصاد وضمان استدامة الموارد مع الحفاظ على كرامة المواطن. لكن صياغة الطمأنة نفسها كشفت أن السلطة تعرف حجم الاحتقان، لأنها لم تكتف بشرح القرار، بل سعت إلى تبديد الغضب الناتج عنه قبل اتساعه.

 

ثم جاء رأي الخبير المصرفي رمزي الجرم ليعكس جانبًا آخر من الجدل، إذ طالب الحكومة بأن تتحرك عبر استراتيجية دائمة لترشيد الطاقة لا عبر قرارات إدارية معزولة تمس السوق مباشرة. وقد دعا الجرم إلى تقليص أوسع لاستخدام السيارات الحكومية وتفعيل آليات تسعير ترفع الكلفة على الاستهلاك التجاري الليلي بدل اللجوء المباشر إلى الإغلاق. وهذا الطرح كشف أن بدائل أخرى كانت مطروحة داخل النقاش العام.

 

وأخيرًا، ختم تقرير الشؤون المعنوية رسالته بالحديث عن الوعي المجتمعي باعتباره الركيزة الأساسية لإدارة الأزمة، وقال إن الإجراءات الاستثنائية مؤقتة وإنها تستهدف حماية المواطنين والفئات الضعيفة من آثار أزمة الطاقة العالمية، وقدمها بوصفها صمام أمان لاستمرار الدولة في تقديم خدماتها. غير أن هذا الختام نفسه أعاد تثبيت الحقيقة الأهم، وهي أن السلطة تطلب من المجتمع أن يتحمل كلفة الأزمة فورًا، بينما تؤجل الإجابة الكاملة عن سؤال المسؤولية الداخلية وكيف وصل الاقتصاد إلى هذه الدرجة من الهشاشة أمام أي اضطراب خارجي.