تستعرض ماريانا خريستوفا في هذا المقال تجربة المخرجة الفلسطينية سوسن قعود، التي تقدم في فيلمها الوثائقي “غزة جراد” رؤية إنسانية هادئة لمسألة النجاة من الحرب وما يليها من تعقيدات نفسية.

تعرض قعود فيلمها ضمن مهرجان تسالونيكي الدولي للأفلام الوثائقية، حيث تتجاوز الصورة النمطية للدمار، وتركز عدستها على من غادروا غزة ونجوا جسديًا، لكنهم يواجهون صراعات داخلية لا تقل قسوة.


ويشير العربي الجديد إلى أن الفيلم لا ينشغل بلحظة القصف بقدر ما يغوص في ما بعدها، حيث تطرح قعود سؤالًا عميقًا: ماذا يعني أن تنجو بينما يفقد الآخرون كل شيء؟ وتعيد من خلال ذلك تعريف معنى البقاء نفسه، بعيدًا عن الأرقام والصور السريعة.


ما بعد النجاة: ثقل المنفى

 


تتبع قعود قصة عائلة فلسطينية مكوّنة من غسان وزوجته الروسية آنا وابنتيهما، حيث يهربون من القصف في غزة ويعيدون بناء حياتهم في روسيا. تستقر العائلة في شقة متواضعة بمدينة فولجوجراد، لكنها تحمل معها خسارة لا تعوض: البيت، والذكريات، والشعور بالانتماء.


تسلّط المخرجة الضوء على شعور معقّد يتكرر لدى الناجين، وهو "ذنب النجاة". يشعر كثير من الفلسطينيين الذين غادروا غزة بثقل نفسي لأنهم عاشوا بينما بقي غيرهم تحت القصف. وتؤكد قعود أن مغادرة الأرض لا تعني فقط الهروب من الحرب، بل تعني فقدان منظومة حياة كاملة.


تعيد هذه الزاوية الإنسانية تشكيل صورة الفلسطيني، حيث لا يظهر كرقم في نشرات الأخبار، بل كإنسان يعيش صراعًا داخليًا بين الأمان والخسارة.


رحلة تصوير عابرة للحدود

 


تبدأ قعود توثيق القصة منذ أكتوبر 2023، مع تصاعد الحرب، دون أن تخطط في البداية لصناعة فيلم كامل. تسجل الأحداث من الضفة الغربية، ثم تعتمد على فريق داخل غزة لتصوير اللحظات الأولى.


لاحقًا، تلاحق العائلة عبر تنقلاتها، وتسافر إلى روسيا ومصر، حيث تستقر الابنتان لاحقًا، وتلتقط تفاصيل حياتهم اليومية. يمنح هذا القرب بين المخرجة والعائلة الفيلم طابعًا حميميًا، حيث تبدو الكاميرا غير مرئية، وتظهر المشاعر بعفوية صادقة.


تكشف هذه الطريقة عن قوة السرد البسيط، إذ تنقل مشاهد مثل حديث على طاولة الطعام أو صمت بين الأشقاء عمق التجربة أكثر من أي خطاب مباشر.


بيت لا يُعاد بناؤه

 


تعكس الشقة الصغيرة في فولجوجراد واقع المنفى؛ فهي توفر الأمان، لكنها لا تعوّض الوطن. يقارن الأب باستمرار بين حياته السابقة في غزة ووضعه الحالي، بينما تعيش الأم صراعًا داخليًا رغم عودتها إلى بلدها الأصلي.


تتفاعل الابنتان بشكل مختلف مع الغربة، حيث تواجهان تحديات اللغة والهوية، قبل أن تتفرق طرقهما بين القاهرة وإنجلترا. تكشف هذه التفاصيل عن تشتت العائلة، كصورة مصغّرة لتجربة فلسطينية أوسع تمتد عبر الأجيال.


تتحول مدينة فولجوجراد نفسها إلى رمز ضمني في الفيلم؛ فقد دمرتها الحرب العالمية الثانية ثم استعادت حياتها، ما يمنح إشارة خافتة إلى إمكانية النهوض من الدمار، وربما إلى مستقبل محتمل لغزة.


في النهاية، لا يقدّم الفيلم إجابات حاسمة، بل يترك المشاهد أمام حالة معلّقة بين الأمل والضياع. تظل العائلة موزعة بين دول مختلفة، وتبقى العودة حلمًا غير مؤكد. ومع ذلك، تلتقط قعود لحظات صغيرة من الحياة – صورة، موسيقى، أو ذكرى – لتقول إن الإنسان، حتى في أقسى الظروف، يتمسك بخيط رفيع من الأمل.


وتختصر المخرجة هذه الفكرة بعبارة بسيطة: من دون الأمل، لا يمكن للحياة أن تستمر.

 

https://www.newarab.com/features/what-comes-after-survival-sawsan-qaoud-answers-gaza-grad