تحوّلت قضية الشاب "علي محمود عبد الونيس إلى واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل خلال الأيام الأخيرة، بعدما أعادت وزارة الداخلية ظهوره إلى الواجهة عبر بيان رسمي وتسجيل مصوّر يتضمن ما وصفته بـ"اعترافاته"، وذلك عقب أكثر من ستة أشهر من الغياب الكامل الذي تصفه أسرته ومنظمات حقوقية بـ"الإخفاء القسري".
وبين الرواية الرسمية التي تتحدث عن "ضبط عنصر إرهابي خطير"، وشهادات الأسرة والمنظمات الحقوقية التي تتحدث عن "اختطاف وترحيل قسري وتعذيب"، تتصاعد التساؤلات حول حقيقة ما جرى، خاصة في ظل توقيت ظهوره وطبيعة الرسائل التي تضمنها التسجيل المصوّر.
اختفاء غامض يبدأ من الخارج
تعود بداية القصة إلى 19 أغسطس الماضي، حين اختفى عبد الونيس عقب سفره من تركيا إلى نيجيريا، وفق ما أكدته زوجته زينب عبد السلام، التي قالت إنها فقدت الاتصال به فور وصوله، دون أي إخطار رسمي بشأن توقيفه أو مكان احتجازه.
طوال الأشهر التالية، ظلت المعلومات شحيحة ومتناقضة، فيما تحدثت مصادر غير رسمية عن وجوده لدى الأجهزة الأمنية المصرية، وهو ما زاد من قلق أسرته ودفع منظمات حقوقية إلى التحذير من تعرضه للترحيل القسري.
بيان الداخلية: رواية أمنية كاملة
في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية في بيان رسمي ما وصفته بإحباط مخطط تابع لحركة "حسم"، مشيرة إلى أن عبد الونيس أحد العناصر القيادية المرتبطة بها.
وبحسب البيان، فقد جرى تتبعه والقبض عليه بعد "تسليمه من نيجيريا"، مع اتهامات تشمل التخطيط لعمليات عنف، والتواصل مع جهات خارجية، وتلقي تمويل لتجنيد عناصر داخل البلاد.
كما نسبت إليه الداخلية التورط في عدد من العمليات البارزة، بينها استهداف كمين العجيزي، وتفجير مركز تدريب الشرطة بطنطا، واغتيال اللواء عادل رجائي، والتخطيط لتفجير معهد الأورام، رغم أن هذه الوقائع تعود إلى فترات كان خلالها خارج البلاد، بحسب روايات حقوقية.
ظهور مفاجئ واعترافات مثيرة للجدل
التحول الأبرز في القضية جاء مع نشر تسجيل مصوّر لعبد الونيس، ظهر فيه موجّهًا رسائل لزوجته ونجله، وأخرى لقيادات تنظيم "حسم"، دعا فيها إلى وقف العنف، محذرًا من الانخراط في العمل المسلح.
غير أن مضمون هذه الرسائل، ونبرة الحديث، وسياق الظهور بعد اختفاء طويل، فجّرت موجة واسعة من التشكيك، خاصة مع تأكيد الأسرة أنه كان محتجزًا بمعزل عن العالم الخارجي طوال تلك الفترة، دون تمكينه من التواصل مع محامٍ أو ذويه.
هيثم أبو خليل: “أي اعتراف بعد الإخفاء القسري باطل”
في خضم هذا الجدل، برزت تصريحات الإعلامي والناشط الحقوقي هيثم أبو خليل، التي لاقت انتشارًا واسعًا، حيث شكك بشكل قاطع في مصداقية الاعترافات المنسوبة لعبد الونيس.
وقال أبو خليل: "لا تصدقوا حرفًا من اعترافات إنسان ظهر بعد 223 يومًا من الإخفاء القسري! لا يوجد عاقل يدلي باعترافات تجلب له الإعدام إلا في أقبية التعذيب".
وأضاف أن أي أقوال تصدر في مثل هذه الظروف "تُعد باطلة قانونيًا"، مشيرًا إلى أن الدستور والمواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقية مناهضة التعذيب، تنص بشكل واضح على بطلان أي اعتراف يُنتزع تحت الإكراه أو في ظل احتجاز غير قانوني.
وتابع: "الإخفاء القسري جريمة، وما يُبنى عليه باطل".
منظمات حقوقية: مخاوف من التعذيب والترحيل القسري
من جانبها، أبدت عدة منظمات حقوقية، من بينها مركز الشهاب لحقوق الإنسان، قلقها من ملابسات توقيف عبد الونيس خارج البلاد، وطريقة نقله إلى مصر، مطالبة بالكشف الكامل عن ظروف احتجازه.
كما شددت على أن غياب الشفافية، وعدم تمكينه من التواصل مع محاميه، يثيران شكوكًا جدية حول سلامة الإجراءات القانونية، ومصداقية الاعترافات المنشورة.
وفي السياق ذاته، حذّرت مؤسسات حقوقية من أن ترحيله من نيجيريا قد يمثل خرقًا لمبدأ "عدم الإعادة القسرية"، الذي يحظر تسليم أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها للتعذيب أو المعاملة القاسية.
رواية الأسرة: اختطاف وتعذيب
زوجة عبد الونيس أكدت في أكثر من مناسبة أن زوجها "تعرض للخيانة والتسليم القسري"، مشيرة إلى أنه ظل مختفيًا لعدة أشهر دون أي معلومات عن مكانه أو حالته الصحية.
وقالت إن المعلومات التي وصلتهم تفيد بتعرضه لتحقيقات داخل مقار أمنية، مع منعه من التواصل مع أسرته أو محاميه، وهو ما وصفته بـ"انتهاك صارخ للحقوق الأساسية".

