مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
العالم كله مشغول هذه الأيام بمضيق هرمز شريان الطاقة الدولي الحيوي الفاصل بين إيران وسلطنة عُمان، الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مقدمة هؤلاء ومعه أسواق الطاقة العالمية، وحكومات الدول المستوردة للطاقة بكل أنواعها، بما فيها مشتقات الوقود مثل البنزين والسولار والغاز والمازوت، وشركات التأمين والشحن الدولية، وبنوك وصناديق الاستثمار الكبرى، ودول الخليج والعراق، والصين، والهند، وتركيا، والاتحاد الأوروبي، وبالطبع إيران التي أغلقت المضيق وأشهرته كسلاح فتاك في وجه الجميع ردًا على الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها.
حتى الآن فشل ترامب في إعادة فتح مضيق هرمز البحري الذي يجري عبره مرور نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا تمثل 20% من إمدادات العالم، ونحو 21% من إمدادات الغاز الطبيعي، وبات الحديث عن مضيق هرمز مدرجًا على أجندة كل لقاءات الرئيس الأميركي واتصالاته مع زعماء العالم الذين خذلوه وفق قوله.
وعلى الرغم من تصريحات ترامب العنترية المتواصلة فقد فشل في توفير الحماية لشركات النفط والغاز المارة عبر مضيق هرمز رئة تجارة النفط، وفشل كذلك في توفير التغطية التأمينية رغم إطلاق إدارة ترامب برنامجًا لإعادة التأمين البحري بقيمة 20 مليار دولار لتأمين ناقلات النفط، وحركة الملاحة، ومخاطر الحرب عبر المضيق. كما ضربت إيران بتهديداته عرض الحائط حينما هدد بقصف منشآت النفط في جزيرة خارج إن لم تفتح طهران مضيق هرمز.
والأخطر أن ترامب فشل في توفير حشد عالمي من حلفاء الولايات المتحدة وغيرهم لإرسال سفن حربية لتأمين الملاحة الدولية في المضيق، وتوفير قدرات وأصول عسكرية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، للضغط على إيران في إعادة فتح هرمز، وتخفيف الضغوط عن الاقتصاد العالمي، لكن الحلفاء ضربوا بضغوطه وإدارته عرض الحائط، فقد رفضت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا واليابان وأستراليا وغيرها المشاركة وإرسال قطع بحرية وسفن لمرافقة السفن عبر مضيق هرمز.
أسواق الطاقة والدول المستوردة للطاقة على صفيح ساخن، وفي حالة ارتباك شديد بسبب إغلاق شريان الطاقة العالمي، والفاعلون بها مشغولون أيضًا بما يجري داخل مضيق هرمز بشكل خاص ومياه الخليج بشكل عام، في ظل استهداف إيران سفن النفط المارة، والصدمة العنيفة التي تعرّضت لها تلك الأسواق، بسبب زيادة أسعار النفط بنسبة 40% ومشتقات الوقود بنسبة 60% منذ بداية الحرب على إيران، كما قفزت أسعار الغاز بأكثر من تلك النسب.
فاقم من تلك الأزمة إعلان أربع دول عربية، هي السعودية والكويت والإمارات والعراق، تخفيض إنتاجها بنحو 6.7 ملايين برميل يوميًا، كما أوقفت قطر تصدير الغاز الطبيعي المسال، الذي تعد من أكبر منتجيه عالميًا، ومع توقّف الإنتاج خسرت دول الخليج نحو 15 مليار دولار من عائدات الطاقة خلال أسبوعين منذ بداية الحرب، والسبب إغلاق هرمز.
مضيق هرمز يضغط بشدة على كل الأطراف الفاعلة في الاقتصاد العالمي، وفي المقدمة الولايات المتحدة، في ظل تأكّد الجميع من أن إنهاء الحصار الإيراني عليه مهمة بالغة التعقيد، مع تهديد الحرس الثوري الإيراني بتلغيمه، واستمرار إغلاقه يقود إلى حدوث كوارث عالمية من ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار الطاقة، وزيادات جديدة في التضخم العالمي، وقفزات في تكاليف المعيشة وأسعار الأغذية والأدوية، وربما حدوث أزمة اقتصادية عالمية، تشبه تلك التي أعقبت صدمات النفط في الشرق الأوسط في سبعينيات القرن الماضي. وبعد أن كان سعر 200 دولار لبرميل النفط هو محض خيال ويندرج تحت التوقعات المستحيلة، باتت بنوك الاستثمار الدولية تدرجه ضمن توقعاتها في حال طول أمد الحرب.
ترامب في ورطة كبيرة ربما هي الأشد منذ توليه منصبه، ومضيق هرمز بات عقدته المستعصية على الحل، وأصبحت الأزمة الأهم على جدول أعماله اليومي، والورقة الرابحة في يد طهران، والحل الوحيد بات يكمن في إيقاف الحرب على إيران، فهل يفعلها الرئيس الأميركي بعد أن عجز عن حماية المضيق والسفن المارة سواء بقواته أو بمساهمة قوات الحلفاء، أم ينجر وراء إسرائيل وحروبها المجنونة، ويواصل الحرب حتى لو ذهب العالم كله إلى الجحيم، وانهار الاقتصاد العالمي وأصابه الكساد والتضخم والديون.

