مصطفى عبد السلام

رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"

 

قبل أسابيع، كان مجرد الاقتراب من النفط الروسي وإبرام صفقات لشرائه جريمة تعاقب عليها الولايات المتحدة الدول المستوردة وتخضعها لعقوبات غربية قاسية، وكان الاتحاد الأوروبي، وبضغوط من الولايات المتحدة، يسارع الزمن لحظر كل مشتقات الطاقة الروسية ومنها الغاز الطبيعي في إطار خطة لخنق الاقتصاد الروسي وتجفيف منابعه المالية وحرمانه من السيولة التي تمول الحرب على أوكرانيا.

 

صاحب ذلك المشهد استهداف سفن النفط وشاحنات الغاز الروسية في المياه الإقليمية، وضرب أوكرانيا المصافي الروسية وناقلات الطاقة في محاولة لتعطيل الصادرات النفطية التي تعد أبرز الإيرادات الدولارية لروسيا. وحتى عقب اشتعال الحرب على إيران مباشرة يوم 28 فبراير الماضي استُهدفت ناقلة غاز روسية في البحر المتوسط قبالة سواحل ليبيا، وقيل إنها كانت متجهة إلى مصر، بعد تعرضها لانفجارات أعقبها حريق هائل.

 

ومنذ اندلاع حرب أوكرانيا قبل أربع سنوات لاحقت الدول الغربية أسطول الظل الروسي والمكون من نحو 1800 ناقلة نفط قديمة، اشترتها موسكو أو استأجرتها سرًا عبر شركات عالمية وهمية للالتفاف على العقوبات الغربية المشددة، والتحايل على قرارات حظر النفط الصادرة عقب شن روسيا حربًا على أوكرانيا.

 

أما الآن وعقب اندلاع الحرب على إيران فإن الولايات المتحدة تحث دول العالم على شراء النفط الروسي، بل وتمنح التراخيص اللازمة لتسهيل تلك المهمة، وتضغط على دول حليفة مثل الهند لشراء احتياجاتها النفطية من الخام الأسود الروسي، وتغض الطرف عن شراء الصين والاتحاد الأوروبي وتركيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة ودول أخرى بشرق آسيا أي كميات من النفط الروسي حتى لو جرت عبر أسطول الظل الملاحق.

 

والسبب في ذلك هو أن الحرب على إيران خلقت واقعًا جديدًا، فقد تسبب إغلاق مضيق هرمز وتوقف دول الخليج والعراق عن ضخ النفط والغاز للأسواق في حدوث صدمة بأسواق الطاقة الدولية أسفرت عن قفزة في أسعار النفط يوم الاثنين الماضي ليصل سعر البرميل إلى 120 دولارًا قبل أن يعاود التراجع ليصل إلى حاجز المائة دولار.

 

هذه الصدمة أثرت سلبًا على الاقتصاد العالمي بما فيه الأميركي، وسببت قفزة في أسعار البنزين والسولار داخل الولايات المتحدة، وأحدثت غضبًا داخل الاقتصادات الكبرى المستهلكة للطاقة بكثافة، وفي المقدمة حلفاء الولايات المتحدة مثل اليابان والهند ومنطقة اليورو وبريطانيا.

 

ومع تعقيدات أزمة الطاقة تلك وتأثيراتها الخطيرة على الأسواق العالمية، يسارع ترامب الخطى لإيجاد حلول منها اتخاذه قرارًا بتخفيف العقوبات ضد روسيا مؤقتًا، بهدف ضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية مع تصاعد التوتر في منطقة الشرق الأوسط المنتج الرئيسي للنفط. كما يسعى ترامب لتأمين إمدادات العالم النفطية حتى لو جاءت من روسيا، حيث أصدر، الخميس الماضي، ترخيصًا عامًا جديدًا يسمح للدول بشراء ‌النفط الخام والمنتجات النفطية من روسيا على ناقلات من دون التعرض لعقوبات، بهدف زيادة المعروض العالمي وكبح جماح الأسعار المتصاعدة.

 

في ظل تلك الاعتبارات وغيرها تظل روسيا الفائز الأكبر اقتصاديًا من الحرب على إيران التي اعطتها شريان حياة، والمستفيد الأول من تفاقم الصراع الدائر في الشرق الأوسط، إذ تسببت الحرب في منح روسية مكاسب مالية ضخمة، من حيث تجدد الطلب على نفطها الخام، وحدوث زيادة كبيرة في الطلب على منتجاتها من الطاقة، وباتت تحصد 150 مليون دولار يوميًا إضافية من قفزة أسعار النفط، وهي سيولة إضافية مهمة جدًا للميزانية الروسية التي قد تعاني من أزمة عجز محتملة، وتجني روسيا أرباحًا غير متوقعة تتراوح بين 1.3 و1.9 مليار دولار من ضرائب الصادرات، بعد أن أدى إغلاق هرمز إلى اعتماد الهند والصين على الخام الروسي.

 

ومن بين وسائل ترامب الأخرى للتخفيف من تداعيات أزمة الطاقة، السحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، واستهداف المنشآت النفطية والبنية التحتية الإيرانية، ومنها جزيرة خارج، بهدف الضغط على إيران لفتح مضيق هرمز رئة الاقتصاد العالمي، والضغط على السفن النفطية للمرور بهرمز رغم زيادة المخاطر الأمنية، والضغط أيضا على شركات التأمين العالمية لتوفير حماية للسفن المارة.

 

وبعد أن كانت روسيا تعاني من عجز مالي وتراجع الإيرادات النفطية بسبب الكلفة الباهظة للحرب على أوكرانيا، والعقوبات الغربية، وتراجع أسعار النفط لمستويات تقل عن 70 دولارًا للبرميل، والتحفظ الغربي على نصف احتياطياته الأجنبية، باتت ميزانيتها أفضل بشكل يتيح ردم جانب من الهوة المالية وعجز الموازنة، وإعادة تغذية احتياطياتها من النقد الأجنبي.

 

والأهم من ذلك أن الحرب على إيران باتت تمنح روسيا فرصة قوية لتعزيز نفوذها في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يثير قلق حلفاء الولايات المتحدة وفي المقدمة الاتحاد الأوروبي. دليل ذلك ما قالته أورسولا فون ديرلاين رئيسة المفوضية الأوروبية، ‌قبل أيام، من إن أوروبا سترتكب خطأ استراتيجيًا فادحًا إذا قررت السعي لكبح ارتفاع أسعار الطاقة بالعودة إلى النفط الروسي.

 

وبعيدا عن المكاسب المالية التي حققتها روسيا فإن الحرب على إيران سحبت البساط من تحت أقدام حكومة أوكرانيا وحولت اهتمام واشنطن والغرب بعيدا عن المعارك الدائرة في أوكرانيا.