أطلقت إيران صباح الأحد 15 مارس 2026 الموجةَ الـ54 من عملية "الوعد الصادق 4"، مستخدمةً لأول مرة منذ اندلاع الحرب الصاروخَ الباليستي "سجيل" فوق الأراضي الإسرائيلية. الضربة الجديدة تزامنت مع رصد 6 طوفانات صاروخية متتالية منذ منتصف الليل، وأسفرت عن خسائر في عدة مدن.

 

منذ 28 فبراير، تتوالى الموجات دون توقف. وصل عددها إلى 54 في أقل من 3 أسابيع. إجمالي ما أطلقته إيران تجاوز 400 صاروخ باليستي. واليوم، جاء "سجيل" ليُعلن أن طهران لم تستنفد أوراقها بعد.

 

سجيل: سلاح الوقود الصلب يدخل المعركة

 

"سجيل" ليس صاروخاً عادياً. هو صاروخ باليستي ثنائي المراحل يعمل بالوقود الصلب، وهذا يعني أنه جاهز للإطلاق الفوري دون تزويد بالوقود. مداه 2000 كيلومتر يجعله قادراً على الوصول إلى أي نقطة في إسرائيل بيُسر.

 

يتميز بقدرة المناورة داخل وخارج الغلاف الجوي. هذه الخاصية تُصعّب اعتراضه بمنظومات "أرو" الإسرائيلية. آخر تجربة إطلاق وثّقتها إيران كانت عام 2012 قبل إعادة استخدامه في عمليات "الوعد الصادق 3" عام 2025.

 

يرى علي فائز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن توقيت إدخال سجيل إلى المعركة مقصود. إيران تحتفظ دائماً بتصعيد نوعي للمرحلة التي تشعر فيها بأن العدو يتكيّف مع نمط الهجوم. تغيير السلاح في الموجة الـ54 رسالة: المخزون لم ينضب، والتنويع مستمر.

 

حرائق في اللد وإنذارات في تل أبيب وبئر السبع

 

على الأرض، كان المشهد مختلفاً. اندلع حريق في مدينة اللد جراء سقوط صاروخ انشطاري. فرق الإنقاذ تدخّلت في منطقة "نيس تسيونا". شظايا ورؤوس متفجرة سقطت في أحياء بتل أبيب ووسط إسرائيل.

 

أعلن الإسعاف الإسرائيلي عن إصابة 3 أشخاص في وسط البلاد. صافرات الإنذار دوّت في تل أبيب والقدس وبئر السبع وأشدود وإيلات. صاروخ متجه نحو إيلات جرى اعتراضه دون وقوع إصابات.

 

يقول مايكل نايتس، الباحث الأول في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إن الضربات الإيرانية لم تعد تستهدف قواعد عسكرية فقط. التوزيع الجغرافي الواسع من تل أبيب إلى إيلات يهدف إلى إرهاق منظومة الإنذار المبكر والمدنيين معاً. هذا يُغيّر طبيعة الضغط النفسي والاجتماعي على الداخل الإسرائيلي.

 

الأثر التراكمي للموجات المتتالية بدأ يظهر. الخسائر اليومية تتراكم. والمدن الإسرائيلية تعيش حالة استنفار متواصلة لم تشهدها من قبل بهذه الوتيرة.

 

الدفاع الإسرائيلي ينفد.. والتصعيد مفتوح

 

الصورة الأخطر ليست الصواريخ بل ما وراءها. أبلغت إسرائيل الولايات المتحدة بأنها تعاني شُحاً حاداً في صواريخ اعتراض الصواريخ الباليستية. هذا الكشف يُقلّص الهامش الأمني بشكل كبير.

 

منظومة "أرو 3" صُمِّمت لاعتراض الصواريخ الباليستية خارج الغلاف الجوي. لكن الوتيرة الإيرانية -54 موجة في أقل من 3 أسابيع- استنزفت المخزون بصورة لم تتوقعها حسابات الحرب الأولية. 6 طوفانات صاروخية في ليلة واحدة تعني 6 دورات كاملة من الاعتراض.

 

في المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي ضرباته داخل إيران. أعلن سابقاً عن استهداف قرابة 200 موقع إيراني شاملةً منصات الإطلاق. لكن إيران ثبّتت إيقاعها الهجومي ولم تتوقف.

 

يؤكد فالي نصر، الأكاديمي الأمريكي المتخصص في الشأن الإيراني، أن المشكلة الجوهرية أمام إسرائيل أن إيران تمتلك مخزوناً صاروخياً يُقدَّر بالآلاف. استنزاف منظومات الاعتراض الإسرائيلية كان هدفاً استراتيجياً إيرانياً من اليوم الأول. والموجة الـ54 دليل على أن هذه الاستراتيجية تسير وفق خطتها.

 

الحرب التي بدأت في 28 فبراير لم تُفرز بعد محدداتها النهائية. لكن دخول "سجيل" إلى الميدان اليوم يُشير إلى أن طهران لا تزال تملك أوراقاً لم تكشفها بالكامل. والأسابيع المقبلة ستحسم ما إذا كانت منظومة الدفاع الإسرائيلية قادرة على الصمود أمام هذا الاستنزاف المتصاعد.