إبراهيم سيف
وزير الطاقة والثروة المعدنية الأردني السابق
تعيد الحرب المشتعلة حاليًا ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تذكيرنا بحجم الإنفاق العسكري غير المحدود الذي رسم الكثير من سياسات المنطقة على مدى العقود الماضية، وأثره السلبي على آفاق التنمية والفرص الضائعة، ولطالما أثير النقاش حول جدوى ذلك الإنفاق الذي كان يمكن تخصيصه لعلاج مشاكل مزمنة تعاني منها اقتصادات الدول العربية، لكن الوضع الإقليمي المضطرب لا يساعد على مجرد التفكير بالبدائل الممكنة، إذ بدأت الحرب مواجهةً ثلاثيةً ما لبثت وامتدت لإقحام معظم دول الخليج فيها وهو ما يمنح مبرّرًا إضافيًا لضرورة التحوّط.
ورغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية العديدة التي تواجه الدول العربية لا يزال الإنفاق العسكري أحد أبرز بنود الموازنات العامة في تلك الدول، وهو يعكس في جانب منه البيئة الإقليمية المضطربة وغير القابلة للتنبؤ، ويوجد تاريخ طويل من الصراعات والتحديات الأمنية الداخلية والخارجية المتشابكة، ولعلّ الحرب الدائرة الآن هي خير دليل على هذا الاضطراب الذي لا تلوح في الأفق تداعياته النهائية ومآلاته، وهو ما يعني الاستمرار ضمن دائرة جهنمية وشبه فارغة من مجهودات التنمية المطلوبة.
ولا شكّ أنّ ارتفاع هذا الإنفاق يثير في المقابل تساؤلات حول كلفته الاقتصادية والاجتماعية، وحول ما إذا كانت الموارد المخصّصة للدفاع تأتي على حساب فرص تنموية يمكن أن تُحدث أثرًا أعمق وأكثر استدامة، خصوصًا في دول ذات موارد مالية محدودة مثل مصر والأردن وبعض دول شمال أفريقيا، إذ إنّ المفاضلة بين بنود الإنفاق صعبة وحرجة، فهذه الدول تنوء أيضًا بأثقال المديونية وظروف المعيشة الصعبة التي يعاني منها مواطنوها.
ووفقًا لبعض التقديرات الصادرة عن مؤسّسات دولية، مثل معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام والبنك الدولي، فإنّ الدول العربية تُعدّ من بين الأعلى عالميًا في نسب الإنفاق العسكري قياسًا إلى حجم الناتج المحلي الإجمالي يشبهها في ذلك باكستان، وفي المتوسط تراوح الإنفاق العسكري العربي خلال العقدَين الماضيَين بين 5 و6% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمتوسط عالمي يقلّ عن 2.5%.
وفي بعض الدول، خصوصًا تلك التي تشهد نزاعات أو توترات إقليمية حادة، ترتفع هذه النسبة إلى مستويات أعلى بكثير، وهناك تفاوت في النسب بين الدول العربية ذاتها، إذ تتصدر السعودية قائمة الدول بحجم إنفاق تجاوز العام الماضي حوالى 70 مليار دولار شكلت حوالى 7% من الناتج المحلي، تلتها الجزائر ثم الإمارات، فيما تأتي الأردن والمغرب بنسب أقل ولكنّها تشكل جانبًا مهمًا من الإنفاق العام. ضمن ذات السياق تُظهر البيانات أنّ الإنفاق العسكري في عدد من الدول العربية يستحوذ على ما بين 15 و25% من الموازنة العامة، وهي نسبة تفوق بكثير المتوسط العالمي الذي يدور حول 6 إلى 8%.
وفي حالات معينة، يقترب الإنفاق العسكري من ثلث الإنفاق العام، ما يترك حيّزًا ماليًا ضيقًا لبنود التنمية والخدمات الأساسية. والإشكالية الحقيقية في هذا الإنفاق أنه متواصل، وأثبتت التجربة صعوبة خفضه بغضّ النظر عن الظروف الاقتصادية السائدة أو معدلات النمو المتحقّقة، فهذا النوع من الإنفاق يصبح شكلًا من أشكال الاستحقاق وركائز الاستقرار السياسي، وهذا الارتفاع لا شكّ يسهم بزيادة الضغوط الاجتماعية على قطاعات وشرائح اجتماعية أخرى قد تتسبب هي الأخرى بتقويض أسس الاستقرار، ولكنها تأتي بمرتبة متأخرة عن الأجهزة الأمنية.
ومن المعروف أن الإنفاق العسكري يتميّز بضعف العائد التنموي المباشر، خصوصًا في الدول المستوردة للسلاح، إذ يذهب الجزء الأكبر من هذه النفقات إلى الخارج، ولا يُسهم في بناء قاعدة صناعية محلية أو نقل للتكنولوجيا. وحتى في الحالات التي توفر فيها الصناعات الدفاعية الوظائف، فإنّ كلفتها مقارنة بالفرص التي تولدها القطاعات المدنية تعتبر مرتفعة. ولا شكّ أنّ الاستثمار في التعليم والصحة لا ينعكس على تحسين رأس المال البشري فحسب، بل يُعد شرطًا أساسيًا لتعزيز الإنتاجية، كما أن الإنفاق على الصحة يرفع من جودة الحياة ويقلل من الكلف المستقبلية المرتبطة بالأمراض وضعف المشاركة في سوق العمل. أما البنية التحتية، فهي ركيزة لجذب الاستثمار وتحفيز النشاط الاقتصادي في مختلف القطاعات.
ولتحقيق كل ذلك هناك حاجة ماسة وشرط مسبق للحفاظ على الأمن والاستقرار، لكن التساؤل يتعلق بكفاءة ذلك الإنفاق وتوظيفه على النّحو المناسب لتحقيق الأهداف بعيدة المدى التي تضمنتها الخطط والرؤى الاقتصادية لتلك الدول. إنّ النزاعات والحروب والاضطرابات ترفع من كلفة الأعمال على نحوٍ غير مبرّر، وتضطر الشركات لتحمل كلف إضافية لأسباب خارجة عن إرادتها وسيطرتها، وهذا له انعكاسات على رسم خططها المستقبلية. إلى جانب ذلك ورغم الجهود التي تبذلها بعض حكومات المنطقة ولا سيّما دول الخليج لتهيئة مناخ مناسبٍ لجذب الاستثمارات في بيئة عالمية تنافسية، فإنّ نجاعة تلك الإجراءات تفقد جاذبيتها بسبب غياب الاستقرار.
إن الإنفاق العسكري المرتفع في الدول العربية يعكس واقعًا أمنيًا معقدًا، لكنه في الوقت نفسه يفرض كلفة تنموية باهظة. وإنّ كلفة استمرار غياب الاستقرار لم تعد تقتصر على النفقات المباشرة على الدفاع والأمن المرتفعة أصلًا، بل تمتد إلى الآثار غير المباشرة التي لا تمنح دول المنطقة فرصة لالتقاط الأنفاس، وحدها إسرائيل نجحت على مدى العقود الماضية بتحييد أثر النزاعات إلى حد كبير على اقتصادها بسبب ظروف خاصّة لا تنطبق إلّا عليها وحدها.
كلّ هذا يملي على الدول العربية إيجاد مسارها التنموي الخاص الذي يعالج تحدياتها الرئيسية التي يمكن أن تتفاقم بسبب ما يجري من أحداث متسارعة تضرّ بالبنية التحتية والسمعة، وتحدث إرباكًا في سلاسل التزويد التي ترتبط مباشرة بالنفط والغاز الذي يُصدّر عبر مناطق حساسة، وتعتبر نقاطًا ملتهبة في ظلّ الوضع السائد.

