فجّرت عقوبة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم «كاف» ضد النادي الأهلي جدلًا واسعًا حول طريقة إدارة الدولة المصرية لملف الجماهير داخل الملاعب. القرار الذي يقضي بحرمان جماهير الأهلي من حضور مباراتين إفريقيتين – إحداهما مع إيقاف التنفيذ – وفرض غرامة مالية بلغت $50,000 إضافة إلى $10,000 بسبب استخدام الليزر، لم يضع النادي فقط في موقف صعب قبل مواجهة الترجي التونسي، بل فتح ملفًا أكبر يتعلق بفوضى إدارة المدرجات وانتقائية التعامل الأمني مع الجماهير.
القرار جاء على خلفية أحداث مباراة الأهلي والجيش الملكي في ختام دور المجموعات لدوري أبطال إفريقيا. ووفق مصادر داخل النادي، فإن العقوبة تشمل مباراة الإياب أمام الترجي التونسي في ربع النهائي يوم 21 مارس على استاد القاهرة. الأهلي أعلن أن الشؤون القانونية تدرس الطعن على القرار، لكن الأزمة تتجاوز حدود الطعن القانوني لتصل إلى سؤال أوسع: لماذا تترك الدولة ملف المدرجات يتأرجح بين القبضة الأمنية المشددة أحيانًا والفوضى الكاملة أحيانًا أخرى؟
النتيجة الآن أن الأهلي يدخل مباراة حاسمة في البطولة الإفريقية بلا جمهوره، بينما تتحمل الكرة المصرية مرة أخرى تبعات إدارة مرتبكة لملف الجماهير.
عقوبة كاف تكشف خلل إدارة المدرجات
قرار «كاف» لم يكن مفاجئًا لكثير من المتابعين. استخدام الليزر والشحن العدائي داخل المدرجات أصبح مشهدًا متكررًا في مباريات عديدة. ومع ذلك لم تُبنَ حتى الآن منظومة حقيقية لضبط السلوك الجماهيري داخل الملاعب المصرية.
المحامي الرياضي نصر الدين عزام يؤكد أن لوائح الاتحاد الإفريقي صارمة في ما يتعلق بالمخالفات الجماهيرية، خاصة استخدام الليزر أو أي سلوك يؤثر على المنافس. ويشير إلى أن العقوبة في هذه الحالات تقع مباشرة على النادي المضيف، بغض النظر عن الجهة المسؤولة فعليًا عن ضبط المدرجات.
لكن المفارقة التي يطرحها كثير من المتابعين تتعلق بطريقة تعامل الأمن مع الجماهير داخل الملاعب. ففي الوقت الذي يخضع فيه المشجعون لتفتيش دقيق عند بوابات الدخول، ويجري أحيانًا منع أو مصادرة الأعلام الفلسطينية أو ملاحقة بعض الجماهير بسبب رفعها، فإن مظاهر أخرى من الفوضى داخل المدرجات تمر دون تدخل حاسم.
الهتافات العدائية، السباب الجماعي، أو استخدام أدوات مثل الليزر تظهر أحيانًا في مباريات عدة رغم الإجراءات الأمنية المشددة. هذا التناقض يطرح سؤالًا واضحًا حول أولويات إدارة المدرجات: هل الهدف ضبط السلوك الرياضي داخل الملاعب أم السيطرة على الرسائل السياسية التي قد يرفعها الجمهور؟
الأهلي يدخل مواجهة الترجي بلا سلاح الجماهير
العقوبة الإفريقية جاءت في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للنادي الأهلي. الفريق يستعد لمواجهة قوية أمام الترجي التونسي في ربع نهائي دوري أبطال إفريقيا، وهي مباريات تعتمد عادة بشكل كبير على حضور الجماهير.
الكابتن أحمد حسن، لاعب الأهلي السابق والمحلل الرياضي، قال إن غياب الجماهير يسحب من الأهلي أحد أهم عناصر قوته على ملعبه. وأضاف أن الجمهور يشكل ضغطًا نفسيًا على المنافس ويمنح اللاعبين دفعة معنوية كبيرة، وهو ما سيغيب في هذه المواجهة.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه أداء الأهلي في الدوري المصري حالة من التذبذب رغم تدعيم الفريق بعدد من اللاعبين خلال فترة الانتقالات الأخيرة. هذا التذبذب يزيد من أهمية الدعم الجماهيري في المباريات الإفريقية الحاسمة.
المحلل الرياضي خالد بيومي يرى أن المشكلة تتجاوز مباراة واحدة. فالعقوبات المتكررة بسبب سلوك المدرجات تضع الأندية المصرية تحت ضغط دائم في البطولات الإفريقية. ويضيف أن غياب الجماهير في مباريات مصيرية يمنح الفرق المنافسة ميزة إضافية ويضعف فرص الأندية المصرية في المنافسة.
فوضى الملاعب تدفع ثمنها الأندية
الغرامة المالية التي فرضها «كاف» – والتي بلغت $60,000 إجمالًا – قد تبدو محدودة مقارنة بميزانيات الأندية الكبيرة، لكنها تعكس أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الملاعب في مصر.
الدولة أنفقت مليارات الجنيهات خلال السنوات الماضية على إنشاء وتطوير الاستادات والبنية التحتية الرياضية. لكن إدارة المدرجات لا تزال تعاني من غياب منظومة واضحة تجمع بين التنظيم والرقابة والانفتاح على الجماهير.
الخبير في الإدارة الرياضية الدكتور محمد فضل الله يقول إن نجاح أي منظومة كروية لا يعتمد فقط على الملاعب الحديثة، بل على وجود نظام واضح لإدارة الجماهير داخل هذه الملاعب. ويضيف أن العقوبات الإفريقية المتكررة تعني أن هناك خللًا في طريقة تنظيم المباريات وضبط السلوك الجماهيري.
ويشير فضل الله إلى أن كثيرًا من الدول طورت نماذج لإدارة الجماهير تعتمد على التوعية والتنظيم والمساءلة، بدل الاكتفاء بالإجراءات الأمنية المشددة التي لا تمنع المخالفات بالضرورة.
في النهاية، تبدو عقوبة الأهلي مجرد حلقة جديدة في سلسلة أزمات تتكرر داخل الكرة المصرية. وبين تفتيش دقيق للجماهير عند البوابات، وملاحقة الأعلام واللافتات السياسية، تبقى المشكلة الأساسية دون حل: غياب سياسة واضحة لإدارة المدرجات.
والنتيجة أن الأندية المصرية تدفع الغرامات، والجماهير تُمنع من الحضور، بينما تظل الفوضى نفسها التي أدت إلى هذه العقوبات تتكرر من مباراة إلى أخرى.

