قرّر مجلس إدارة شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع بدء إجراءات بيع حصتها في شركة «موانئ مصر» لصالح الشركة القابضة للنقل البحري والبري، في خطوة تأتي بعد أشهر من إعلان مجموعة «موانئ أبوظبي» عرض شراء إلزامي للاستحواذ على 32% من أسهم الشركة بقيمة قد تصل إلى 22 مليار جنيه، بما يتيح لها السيطرة عليها.

 

الإفصاح المرسل إلى البورصة المصرية أكد تفويض العضو المنتدب التنفيذي بالتوقيع على مذكرة تفاهم مع القابضة للنقل البحري، مع اشتراط موافقة الجمعية العامة العادية واستيفاء الإجراءات القانونية. القرار يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول إعادة هيكلة ملكية أحد أهم مشغلي الحاويات في مصر.

 

التحرك الإداري يبدو تقنيًا. لكن توقيته سياسي واقتصادي بامتياز. خاصة في ظل ضغوط تمويلية تواجه الدولة، وتصاعد شهية المستثمرين الأجانب للأصول اللوجستية المرتبطة بالموانئ.

 

إعادة ترتيب الملكية قبل حسم صفقة «موانئ أبوظبي»

 

مجلس الإدارة أعلن أن الشركة ستتقدم بدراسة القيمة العادلة للأسهم محل البيع إلى البورصة، تمهيدًا لعرضها على الجمعية العامة في أقرب اجتماع لاتخاذ القرار النهائي. كما أكدت أنها ستكشف نسبة الحصة المزمع بيعها والقيمة التقديرية فور الانتهاء من التقييم.

 

الخطوة تبدو جزءًا من إعادة ترتيب هيكل الملكية قبل أي تغيرات محتملة في السيطرة. عرض «موانئ أبوظبي» في ديسمبر الماضي للاستحواذ على 32% من أسهم الشركة بقيمة تقارب 465 مليون دولار (22 مليار جنيه) منح المجموعة الإماراتية إمكانية النفاذ إلى إدارة أحد أهم مشغلي الحاويات في البحر المتوسط.

 

الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، يرى أن “التحركات المتزامنة لإعادة هيكلة الحصص قبل استحواذ محتمل تعكس محاولة لضبط التوازن داخل المنظومة”. لكنه يحذر من أن غياب الشفافية الكاملة حول نسب البيع وتفاصيل التقييم قد يثير تساؤلات حول عدالة التسعير.

 

نافع يشير إلى أن قطاع الموانئ يمثل أصلًا استراتيجيًا، ليس فقط من حيث الإيرادات، بل من حيث الأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد.

 

أصول رابحة في لحظة سيولة ضاغطة

 

شركة الإسكندرية لتداول الحاويات تشغّل محطتين رئيسيتين في مينائي الإسكندرية والدخيلة، بطاقة تشغيلية مجمعة تبلغ 1.5 مليون حاوية نمطية سنويًا. هذه الأرقام تضعها ضمن أهم حلقات التجارة الخارجية المصرية.

 

على مستوى الأداء المالي، حققت الشركة خلال السنة المالية 2024–2025 إيرادات بلغت 8.37 مليار جنيه، مع مركز نقدي قوي يدعم قدرتها التوسعية. هذا يعني أن الحديث لا يدور عن شركة خاسرة تحتاج إنقاذًا، بل عن أصل يحقق أرباحًا.

 

الدكتورة سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، تؤكد أن “بيع حصص في شركات رابحة يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية واضحة لإعادة استثمار العائد، لا مجرد سد فجوة تمويلية مؤقتة”. وتضيف أن الموانئ تمثل عصب التجارة، وأي تغيير في هيكل ملكيتها يجب أن يخضع لنقاش عام أوسع.

 

وجود مركز نقدي قوي يطرح سؤالًا إضافيًا: لماذا البيع الآن؟ هل الهدف تعظيم القيمة السوقية قبل إتمام صفقة أكبر؟ أم إعادة توزيع الأدوار بين الشركات الحكومية؟

 

القيمة العادلة.. والرهان على الشفافية

 

الإدارة أعلنت التزامها بتقديم دراسة القيمة العادلة للأسهم. هذه الخطوة أساسية لحماية حقوق المساهمين. لكنها لا تكفي وحدها إذا لم تُنشر تفاصيل التقييم ومنهجيته.

 

الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، يرى أن “المعيار الحقيقي هو مقارنة السعر المقترح بالقيمة المستقبلية للتدفقات النقدية، لا بالقيمة الدفترية فقط”. ويشير إلى أن أصول الموانئ عادة ما تحمل علاوة استراتيجية، خاصة مع توسع التجارة الإقليمية.

 

توفيق يضيف أن دخول مستثمر أجنبي بحجم «موانئ أبوظبي» يمنح ثقة للأسواق، لكنه في الوقت نفسه يفرض ضرورة وجود إطار تنظيمي يضمن بقاء القرار التشغيلي منسجمًا مع المصلحة الوطنية.

 

الصفقة المرتقبة قد تصل قيمتها إلى 22 مليار جنيه، وفق عرض الشراء الإلزامي. رقم ضخم في سوق المال المحلي. لكنه يظل أقل أهمية من سؤال: كيف ستُدار الأصول بعد تغير هيكل الملكية؟

 

إعادة هيكلة الحصص بين الإسكندرية لتداول الحاويات والقابضة للنقل البحري قد تعيد رسم خريطة النفوذ داخل القطاع. خاصة إذا أُقرت الصفقة بالتوازي مع دخول «موانئ أبوظبي» بنسبة مؤثرة.

 

يناير – فبراير – مارس 2026 تشهد تسارعًا في صفقات الأصول الاستراتيجية. الموانئ في القلب. الإيرادات قوية. والسيولة الحكومية تحت ضغط. القرار النهائي سيُحسم في الجمعية العامة. لكن النقاش حول مستقبل ملكية المرافئ المصرية لن يتوقف عند حدود التصويت.