منذ أكثر من 4 سنوات، يعمل موظفو الإدارة المركزية للتقاوي بوزارة الزراعة بلا رواتب، رغم صدور أحكام قضائية لصالحهم، في سابقة تصطدم مباشرة بمبدأ سيادة القانون وحق العامل في الأجر. الحكومة تكتفي بتبادل المكاتبات بين الزراعة والمالية والتنظيم والإدارة، بينما 35 ألف أسرة تدفع ثمن هذا التعطيل من لقمة عيشها، ويُترَك أصحاب المعاشات بدورهم يواجهون التضخم بمعاشات متآكلة لا تلاحق الأسعار. في هذا السياق، جاء طلب إحاطة من النائب إيهاب منصور، وسؤال برلماني من النائب أمير أحمد الجزار، ليكشفا حجم الفجوة بين خطاب الحكومة عن “الحماية الاجتماعية” وواقع من يفترض أنها تحميهم.
وزارة الزراعة تعطل الأجور.. وأحكام القضاء خارج الخدمة
القصة تبدأ من الإدارة المركزية للتقاوي بوزارة الزراعة؛ عمال وموظفون تم تعيينهم بقرارات رسمية، وصدر لصالحهم أحكام قضائية تُقرّ بأحقيتهم في الرواتب، ثم مرّت أكثر من 4 أعوام دون أن يتقاضوا أجرًا عن عملهم، وفق ما كشفه وكيل لجنة القوى العاملة النائب إيهاب منصور. هؤلاء ليسوا عمال “عزبة خاصة”، بل موظفين في جهاز الدولة، داخل وزارة سيادية في ملف الأمن الغذائي، ومع ذلك تُدار أوضاعهم كأنهم بلا قيمة قانونية أو إنسانية.
منصور أوضح أن السبب المعلن لتأخير التنفيذ هو تهاون بعض الموظفين في الوزارات المعنية، وعدم تنسيق المكاتبات بين الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة ووزارة الزراعة، إلى حد دفعه للتساؤل بسخرية غاضبة: هل تتعطل مصالح الناس لأن المسؤولين “مش عارفين النماذج اللي بتبعتوها لبعضكم”؟ الأخطر أن هذا العبث الإداري لا يطال العمال وحدهم، بل يمتد لأسرهم؛ النائب قدّر أن معاناة نحو 35 ألف أسرة مرتبطة مباشرة بهذه الأزمة، بين عامل بلا أجر وأسرة بلا دخل منتظم.
القيادي العمالي كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، يرى أن ما يحدث “ليس مجرد تقصير”، بل نموذج على أن الحكومة لا تعتبر تنفيذ أحكام القضاء في قضايا العمال أولوية، موضحًا أن ترك عامل يعمل بلا أجر لسنوات جريمة مزدوجة؛ انتهاك لحقه الدستوري في الأجر العادل، وإهدار لهيبة القضاء ذاته. المحامي الحقوقي خالد علي يؤكد بدوره أن عدم تنفيذ أحكام واجبة النفاذ في ملفات التوظيف والأجور يدخل في نطاق المساءلة الجنائية والإدارية معًا، وأن استخدام حجة “تعارض المخاطبات أو تعقيد الإجراءات” لا يعفي أي مسؤول من واجب التنفيذ الفوري بعد صيرورة الأحكام نهائية.
عمال التقاوي في الفراغ.. بين ورق الوزارات وواقع الفقر
على الأرض، يعيش العامل في الإدارة المركزية للتقاوي حالة فراغ قانوني واجتماعي؛ هو ليس عاطلًا يمكنه البحث عن عمل آخر بحرية، ولا موظفًا يتقاضى أجرًا يمكنه من الوفاء بالتزاماته. في ظل الظروف الاقتصادية الحالية؛ تضخم مرتفع، أسعار سلع وخدمات أساسية تقفز بشكل متكرر، يصبح غياب الراتب لأشهر أزمة، فكيف إذا امتد لسنوات؟
الخبيرة في قضايا العمل فاطمة رمضان ترى أن هذه الحالة تعكس ما سمّته “التهوين الممنهج من حقوق العمال الزراعيين”، موضحة أن قطاعات مثل التقاوي والإنتاج الزراعي تُدار غالبًا بعقلية تعتبر العامل تابعًا يمكن الضغط عليه أو تجاهل حقوقه، ما دام لا يملك نقابة مستقلة قوية تدافع عنه. تضيف أن بقاء الأزمة 4 سنوات يعني أن كل طبقات الرقابة – من التفتيش الداخلي في الوزارة حتى البرلمان – إما صامتة أو عاجزة أو متواطئة.
النائب إيهاب منصور، رغم حدّة طلب الإحاطة، ليس هو جوهر الأزمة؛ جوهرها أن وزارة الزراعة ووزارة المالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة تركوا أحكامًا قضائية على الرف، وتجاهلوا توصية سابقة من لجنة الزراعة بتنفيذ الأحكام خلال أسبوع، دون أن يتحركوا جديًا لإنهاء معاناة العاملين. هذا السلوك يرسل رسالة واضحة: حقوق العمال، حتى لو تحولت إلى أحكام، يمكن تعليقها متى تعارضت مع أولويات البيروقراطية أو حسابات الموازنة.
أصحاب المعاشات في الخط نفسه.. معاش ثابت وأسعار تدهس كل شيء
في الخلفية، يطرح النائب أمير أحمد الجزار سؤالًا موازياً لا يقل خطورة: ماذا عن أصحاب المعاشات الذين تبتلع موجات الغلاء معاشاتهم شهرًا بعد شهر؟ النص الذي قدّمه الجزار يحدد الإطار بدقة؛ الدولة تواجه تحديات اقتصادية متراكمة وارتفاعات متلاحقة في معدلات التضخم وأسعار السلع والخدمات الأساسية، بينما يعتمد قطاع واسع من المواطنين على معاشات ثابتة تقررت في ظروف اقتصادية مغايرة تمامًا لما نعيشه الآن.
المعاش، كما يذكّر السؤال، حق أصيل كفله الدستور والقانون باعتباره ثمرة سنوات عمل ومساهمة في بناء الدولة، لكن “الواقع العملي” يكشف أن القيم الحالية للمعاشات متدنية إلى حد كبير ولا تتناسب مع تكاليف المعيشة، ما أدى إلى تآكل حقيقي في القوة الشرائية وعجز شريحة كبيرة عن تلبية الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء ومسكن ومواصلات. الزيادات الدورية التي تعلنها الحكومة، على محدوديتها، لا تعكس في كثير من الأحيان الزيادة الفعلية في معدلات التضخم، فتتحول إلى زيادات شكلية تُستهلك سريعًا أمام أي موجة ارتفاع جديدة في الأسعار.
الخبير في تشريعات التأمينات أحمد البرعي – وزير القوى العاملة الأسبق – حذّر أكثر من مرة من أن ربط الزيادات بمعايير غير واضحة، وعدم وجود آلية تلقائية لربط المعاش بالتضخم، يؤدي مع الوقت إلى انهيار القيمة الحقيقية للمعاش مهما بدا الرقم أعلى على الورق. الباحث في شؤون الحماية الاجتماعية خالد عبد الكريم يضيف أن غياب رؤية استراتيجية معلنة لسياسات المعاشات على المدى المتوسط والطويل، يجعل كل زيادة خاضعة لاعتبارات سياسية ظرفية، لا لاعتبارات عدالة اجتماعية مستدامة، ما يضعف ثقة المواطنين في منظومة التأمينات كلها.
النائب الجزار يسأل الحكومة صراحة عن: استراتيجيتها الشاملة للتعامل مع ملف المعاشات في ظل التضخم الحالي، الآليات المحددة للحفاظ على القوة الشرائية ومنع تآكل القيمة الحقيقية، والخطة الزمنية لمراجعة سياسات الزيادات، والإجراءات الكفيلة بألا يتحمل أصحاب المعاشات وحدهم كلفة الإصلاحات الاقتصادية. هذه الأسئلة لا تقف عند حدود “استيضاح برلماني”، بل تلخّص ما يراه المتقاعدون في حياتهم اليومية من فجوة بين ما تُعلنه الحكومة عن “الرعاية” وما يواجهونه من فواتير لا ترحم.
حكومة ترفع شعار العدالة.. وتترك العمال والمتقاعدين في الهامش
القاسم المشترك بين عمال التقاوي بلا رواتب وأصحاب المعاشات بمعاشات متآكلة، هو أن الحكومة اختارت أن تُحمّل الفئات الأضعف ثمن أزمتها الاقتصادية والإدارية. في ملف وزارة الزراعة، أحكام قضائية لا تُنفذ منذ 4 سنوات، و35 ألف أسرة تُترك بدون دخل ملائم، في ظل صمت أو بطء أو تواطؤ من وزارات يفترض أنها مسؤولة عن إدارة المال العام وحماية حقوق العاملين. في ملف المعاشات، زيادات محدودة لا تواكب التضخم، وغياب خطة واضحة، وترك من أفنوا عمرهم في العمل يواجهون الغلاء وحدهم.
حين تطالب أصوات برلمانية بوقف رواتب المسؤولين المتقاعسين عن تنفيذ أحكام التقاوي، فهي تضع إصبعها على جرح حقيقي: من غير المقبول أن يُحرم عامل من أجره لسنوات بينما يستمر المسؤول عن تعطيل حقه في تقاضي أجره كاملًا بلا مساءلة. وحين يطالب نواب بخطة حماية حقيقية لأصحاب المعاشات، فهم يعبرون عن حقيقة بسيطة: لا معنى لأي خطاب رسمي عن “العدالة الاجتماعية” في بلد يُترك فيه عمال وزارة الزراعة بلا رواتب، ومتقاعدوها بلا حماية من الغلاء.

