لم يكن السادس من رمضان يومًا عابرًا في صفحات التاريخ الإسلامي، بل شكّل عبر القرون محطة فارقة تجمعت فيها لحظات الفتح والانكسار، وقرارات الحكم، وصيحات الاستغاثة التي حركت الجيوش، وحتى التحولات العلمية التي غيّرت مسار المعرفة الإنسانية. في هذا اليوم، تداخلت عبقرية الشباب مع دهاليز السياسة، وارتبطت الكرامة العسكرية بإعادة رسم خرائط النفوذ، فيما سجّل التاريخ وقائع لا تزال أصداؤها حاضرة حتى اليوم.

 

محمد بن القاسم وفتح السند.. عبقرية شاب أنهكته السياسة

 

في 6 رمضان سنة 92هـ (711م)، قاد الفتى القائد محمد بن القاسم الثقفي، الذي لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، جيشًا لعبور نهر السند ومواجهة ملك الهندوس الملك داهر.

 

انتهت المواجهة بانتصار حاسم فتح أبواب شبه القارة الهندية أمام الحكم الإسلامي، وأرسى نموذجًا إداريًا اتسم بالتسامح الديني، حيث مُنح الهندوس والبوذيون وضع “أهل الذمة”، ما ساعد على استقرار الحكم لسنوات طويلة.

 

غير أن المسيرة التي بدت واعدة توقفت فجأة لأسباب سياسية بحتة. فبعد وفاة الخليفة الوليد بن عبد الملك، تولى الحكم سليمان بن عبد الملك، الذي كان على خصومة شديدة مع والي العراق السابق الحجاج بن يوسف الثقفي، الداعم الأكبر لمحمد بن القاسم.

 

لم تمر سوى سنوات قليلة حتى صدر قرار بعزل القائد الشاب وإرساله مكبلاً إلى العراق. وهناك، وتحت سلطة الوالي الجديد، أُودع سجن واسط وتعرض لتعذيب قاسٍ انتهى بوفاته عام 96هـ (714م)، وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين. لم تكن نهاية عسكرية في ميدان قتال، بل ضحية صراع سلطة داخل البيت الأموي.

 

عمورية.. حين تحركت الخلافة دفاعًا عن الهيبة

 

وفي 6 رمضان سنة 223هـ (838م)، تحركت جيوش الخلافة العباسية بقيادة الخليفة المعتصم بالله باتجاه مدينة عمورية، إحدى أهم الحصون البيزنطية في الأناضول. جاءت الحملة ردًا على اجتياح الإمبراطور البيزنطي توفيل لمدينة زبطرة، وما رافقه من أعمال قتل وسبي.

 

ورغم الرواية الشعبية التي تربط الحملة بنداء امرأة استغاثت قائلة “وامعتصماه”، فإن المؤرخين يرون أن القرار كان استراتيجيًا بالدرجة الأولى، لاستعادة هيبة الدولة وردع التمدد البيزنطي. تجاهل المعتصم نصائح المنجمين، وسار بجيشه حتى أسقط عمورية، موجّهًا ضربة معنوية كبرى لبيزنطة.

 

وقد خلد الشاعر أبو تمام هذا الانتصار بقصيدته الشهيرة التي مطلعها: “السَّيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ .. في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَّعِبِ”

 

سقوط الرها.. بداية انكسار المشروع الصليبي

 

وفي 6 رمضان سنة 539هـ (1144م)، بدأ فصل جديد في الصراع مع الصليبيين حين فرض القائد عماد الدين زنكي حصارًا محكمًا على مدينة الرها، التي كانت أول إمارة صليبية تأسست في الشرق عام 1099م.

 

لم يكن سقوط الرها مجرد انتصار عسكري، بل زلزال سياسي هز أوروبا، وأدى مباشرة إلى إطلاق الحملة الصليبية الثانية. كما مهد الطريق لظهور شخصيات محورية لاحقًا مثل نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي، اللذين استكملا مشروع استعادة المدن الإسلامية من قبضة الصليبيين.

 

ابن الهيثم في مصر.. بين طموح الهندسة وادعاء الجنون

 

في نحو عام 395هـ (1004م)، وصل العالم الموسوعي ابن الهيثم إلى مصر استجابة لدعوة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، بعد أن نقلت إليه مقولة منسوبة للعالم العراقي مفادها أنه قادر على تنظيم فيضان النيل.

 

قاد ابن الهيثم بعثة هندسية إلى جنوب مصر لدراسة المشروع، لكنه أدرك أن الإمكانات التقنية المتاحة آنذاك لا تسمح بتنفيذه. وعند عودته، خشي غضب الخليفة، فلجأ إلى حيلة ادعاء الجنون، وبقي في عزلة بجوار الجامع الأزهر حتى وفاة الحاكم.

 

خلال تلك العزلة، أنجز أهم أعماله في علم البصريات، واضعًا أسس المنهج التجريبي الذي سيؤثر لاحقًا في مسار العلوم الأوروبية.

 

رحيل الخديوي إسماعيل.. نهاية حلم “مصر الأوروبية”

 

وفي 6 رمضان 1312هـ (1895م)، توفي الخديوي إسماعيل في منفاه بقصر إميرغان في إسطنبول، بعد سنوات من عزله تحت ضغط الديون الأجنبية والتدخل الدولي.

 

كان إسماعيل قد سعى إلى تحديث مصر لتصبح “قطعة من أوروبا”، فشهدت البلاد في عهده طفرة عمرانية واسعة، وتخطيطًا حديثًا للقاهرة، ومشروعات كبرى. غير أن سياسات الاقتراض المكثف فتحت الباب أمام التدخل الأجنبي، ومهدت لاحقًا للاحتلال البريطاني.

 

نُقل جثمانه إلى القاهرة ليدفن في مسجد الرفاعي، لتطوى صفحة حاكم جمع بين الطموح الكبير والنهاية السياسية القاسية.