تشهد أسواق النفط موجة ارتفاع جديدة مع صعود خام برنت إلى أعلى مستوى في 6 شهور، مدفوعًا بمزيج من التوترات الجيوسياسية بين واشنطن وطهران، وقرار المحكمة العليا الأمريكية بشأن الرسوم الجمركية، وخطاب اقتصادي يزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين بشأن النمو العالمي والطلب على الطاقة.
هذا الصعود يأتي بينما يستعد الطرفان لجولة ثالثة من المحادثات النووية يوم الخميس، في وقت تتحرك فيه الإدارة الأمريكية لإعادة تشكيل سياسة الرسوم خلال 150 يومًا، ما يجعل حركة الأسعار انعكاسًا مباشرًا لتوقعات المخاطر أكثر من كونه استجابة لتغيرات فورية في العرض والطلب الفعلي.
أسعار تتحرك على وقع السياسة لا المخزون
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 0.9% لتصل إلى 72.38 دولار للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 1% إلى 67.17 دولار، مسجلَين مستويات قرب قمة لم تُسجل منذ يوليو 2025، بعد أسبوع قفز خلاله برنت بأكثر من 5% وسط مخاوف من اندلاع صراع عسكري بين الولايات المتحدة وإيران.
فيكتور كاتونا، كبير محللي النفط في شركة "Kpler"، يرى أن السوق "تسعّر احتمال التصعيد العسكري أكثر مما تسعّر بيانات المخزون أو معدلات تشغيل المصافي"، موضحًا أن تحركات الأسعار الحالية تشبه "تأمينًا سياسيًا" يشتريه المتعاملون ضد صدمات محتملة في الإمدادات بدلًا من كونها استجابة لنقص حقيقي في البراميل المتاحة للتسليم الفعلي. هذا التوصيف ينسجم مع استمرار الفروق الزمنية الضعيفة بين العقود الفورية والآجلة، والتي تشير إلى سوق ليست في حالة شح شديد رغم ارتفاع الأسعار على الشاشات.
قرار المحكمة العليا والرسوم الجديدة
أعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية وقف تحصيل الرسوم المفروضة بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، تنفيذًا لقرار المحكمة العليا بإسقاط البرنامج السابق لرسوم الرئيس دونالد ترامب، على أن يبدأ العمل بالقواعد الجديدة اعتبارًا من الساعة 12:01 بعد منتصف الليل بتوقيت الساحل الشرقي غدًا الثلاثاء. في الوقت نفسه، كشف ترامب عن خطته لفرض تعريفة عالمية مؤقتة بنسبة 15% لمدة 150 يومًا، وهو الحد الأقصى المسموح به وفق التشريعات الحالية، ريثما يتوصل الكونجرس إلى صيغة طويلة الأجل، وهو ما يثير قلقًا واسعًا بشأن تكلفة التجارة العالمية وآفاق الطلب على الوقود خلال 2026.
تاماس فارجا، المحلل في "PVM Oil Associates"، يؤكد أن "التركيز الآن انتقل من البراميل إلى بنود القانون"، موضحًا أن السوق "تقرأ الرسوم بوصفها ضريبة غير مباشرة على النمو، ما يخلق مفارقة بين دعم الأسعار عبر المخاطر الجيوسياسية والضغط عليها عبر توقع تباطؤ استهلاك الطاقة". هذا التداخل بين المسار القانوني للرسوم من جهة، وخيارات البيت الأبيض الاقتصادية من جهة أخرى، يترك اتجاه أسعار النفط "غير واضح لكن التقلبات مضمونة"، بحسب تعبير فارجا.
المحادثات النووية الإيرانية ومعادلة الإمدادات
في طهران، تبدي الحكومة استعدادًا لتقديم تنازلات محدودة في برنامجها النووي مقابل رفع تدريجي للعقوبات والاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم ضمن سقف رقابي، قبيل انطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات مع الولايات المتحدة يوم الخميس، وهو ما يفتح نظريًا الباب أمام عودة مزيد من البراميل الإيرانية إلى السوق إذا جرى التوصل إلى تفاهم عملي خلال النصف الثاني من 2026.
مسؤول في وزارة النفط الإيرانية قال لوسائل إعلام محلية إن البلاد "قادرة على إضافة ما بين 700 ألف و1 مليون برميل يوميًا خلال أشهر قليلة إذا رُفعت القيود على الصادرات"، في تذكير بأن أي انفراجة دبلوماسية قد تقلب موازين التوازن الهش بين العرض والطلب خلال وقت قصير.
خبير الطاقة نيل بيڤرلي، من "Energy Aspects"، يرى أن "السوق تعيش مفارقة مزدوجة؛ تخشى ضربة عسكرية تعطل الإمدادات، لكنها في الوقت نفسه تخشى نجاح التفاوض الذي قد يضيف طاقة إنتاجية جديدة إلى سوق يعاني أصلًا من توقعات فائض هيكلي في الأعوام المقبلة". هذا التناقض يظهر بوضوح في سلوك صناديق التحوط التي تزيد رهاناتها على تقلب الأسعار أكثر من رهاناتها الاتجاهية الصريحة على الصعود أو الهبوط.
جيوسياسة تتغلب على الأساسيات
بينما تستقر الأسعار في المنطقة الخضراء على الشاشات، يشير محللو "مورجان ستانلي" إلى أن هوامش الربح الفورية لمصافي التكرير، وضعف الفروق السعرية الفعلية بين الدرجات المختلفة من الخام، يعكسان سوقًا لا تعاني نقصًا ماديًا حادًا في النفط، بقدر ما تعكس تسعيرًا مبالغًا فيه للمخاطر الجيوسياسية.
تقرير للبنك رجّح أن تخف حدّة ضيق السوق خلال 2026 مع زيادة إمدادات أوبك+ والمنتجين المستقلين، متوقعًا بقاء متوسط أسعار برنت في نطاق منتصف إلى أواخر السبعين دولارًا للبرميل إذا لم تقع صدمة جيوسياسية كبيرة تقطع الإمدادات فعليًا.
أمينة بخيت، خبيرة أسواق الطاقة في "Principal Asset Management"، ترى أن "رسوم ترامب، وقرار المحكمة العليا، والمحادثات مع إيران، كلها عوامل تؤثر في مزاج المتعاملين أكثر مما تؤثر في عدد الشحنات المتجهة فعليًا إلى الموانئ"، مؤكدة أن "المخاطر اليوم سياسية الطابع، لكن التحدي الهيكلي الأكبر للسوق يبقى فائض الطاقة الإنتاجية عالميًا مع تباطؤ نمو الطلب".
في هذا السياق، تبدو موجة الصعود الحالية أقرب إلى رد فعل دفاعي أمام موجة من عدم اليقين، أكثر من كونها بداية دورة صعود طويلة، ما يبقي المتعاملين في حالة ترقب بين انتعاش تدفعه العناوين وتوازن طويل الأجل تحكمه الأرقام.

