بينما يتحدث البنك المركزي عن خفض الفائدة وضبط تكلفة التمويل للسيطرة على التضخم وتقليل عبء خدمة الدين، تتحرك البنوك الكبرى في اتجاه معاكس بالنسبة لشريحة واحدة بالذات: أصحاب الأرصدة الضخمة.
خلال الأسابيع الماضية رفعت بنوك حكومية وخاصة العائد على حسابات وودائع "المليونيرات" إلى مستويات تصل 17–19%، في الوقت الذي جرى فيه خفض عوائد المدخرات الصغيرة والمتوسطة، ما يكشف بوضوح نموذجًا اقتصاديًا يحمي أصحاب الثروات وينقل كلفة الأزمة إلى من هم دونهم.
فائدة أقل للصغار وأعلى للكبار.. سياسة مصرفية تكرّس اللامساواة
التحركات الأخيرة في السوق المصرفية أوضحت أن الخفض الرسمي في أسعار الفائدة لم يُطبَّق على الجميع بالشكل نفسه؛ فبنوك حكومية كبرى قررت تخفيض العائد على شرائح المدخرات من 100 ألف حتى أقل من 5 ملايين جنيه إلى نطاق يتراوح بين 7 و11.25%، مع رفع الفائدة أو الإبقاء على مستويات مرتفعة للشرائح الأعلى.
حسابات توفير مخصّصة للمدخرات التي تبدأ من 5 ملايين حتى أقل من 10 ملايين جرى رفع عائدها إلى نحو 13.75%، والشريحة من 10 ملايين حتى أقل من 30 مليونًا إلى 14.25%، ثم 15% لما بين 30 و100 مليون جنيه، مع استحداث شرائح جديدة من 100 إلى أقل من 250 مليونًا بعائد 15.75%، ومن 250 مليونًا فأكثر بعائد 17%.
في الوقت نفسه، استحدثت بنوك أخرى ودائع موجهة للكبار فقط؛ وديعة لمدة 18 شهرًا بعائد تراكمي 22% يُصرف في نهاية المدة وبحد أدنى مليون جنيه، وحسابات ادخار لا تُفتح إلا من 20 مليون جنيه بعوائد تتجاوز 16–17%، وصكوك متغيرة تطلب رصيدًا ابتدائيًا لا يقل عن 2.5 مليون جنيه مقابل عائد متوقع يصل 19%.
هذه الأرقام تعني أن اتجاه خفض الفائدة لم يكن عامًا، بل أعاد توزيع العائد لصالح أصحاب المحافظ الأكبر، بينما تراجعت حصة المدخر الصغير الذي لا يستطيع الوصول إلى تلك الفئات.
الخبير الاقتصادي د. هاني توفيق انتقد مرارًا هذا النوع من السياسات، معتبرًا أن الدولة تحول النظام المصرفي إلى أداة نقل منظمة للثروة من القاعدة إلى القمة؛ فتمويل عوائد الـ17–19% يتطلب إما تحميل الموازنة العامة أعباء أعلى عبر اقتراض حكومي أغلى، أو الضغط على الائتمان المنتج ورفع تكلفة الاقتراض على القطاع الخاص، وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: تضييق على الاستثمار الحقيقي وزيادة الفاتورة على المجتمع، مقابل تأمين عوائد مضمونة لمالكي المدخرات الضخمة.
تنافس على أموال المليونيرات.. بنوك تربح أكثر وحكومة تبرر باسم "الاستقرار"
المصرفيون يبررون هذا الاتجاه بالمنافسة على "السيولة المستقرة"؛ فودائع الكبار، كما يقول المسؤولون، أقل حركة وأكثر استقرارًا، وتكلفة تشغيلها أقل، لأنها تعتمد على القنوات الرقمية وخدمات كبار العملاء بدل المعاملات اليومية، ما يجعلها مصدرًا مفضّلًا للتمويل مقارنة بالشهادات القصيرة "فائقة العائد" أو الاقتراض بين البنوك.
لكن هذا التبرير يتجاهل سؤالًا بسيطًا: لماذا تُكلَّف المنظومة كلها – ومن ورائها المجتمع – بتهيئة عوائد خاصة لشريحة محدودة، بدل إعادة هيكلة النظام بما يضمن عدالة أوسع في توزيع العائد والمخاطر؟
د. زياد بهاء الدين يرى أن ما يحدث جزء من نمط أوسع في السياسات المالية والاقتصادية في مصر؛ نمط يقوم على "الريع" واستخراج القيمة لصالح المراكز الكبرى، لا على بناء قدرة إنتاجية حقيقية. في تحليلاته لمسار الاقتصاد المصري، يربط بين غياب إصلاح ضريبي عادل، وتوسع الدولة في مشروعات عقارية وبنية فوقية لصالح شريحة محدودة، وبين استمرار استخدام أدوات الدين والقطاع المصرفي في حماية ثروات نفس الشريحة.
من هذه الزاوية، يبدو رفع الفائدة لودائع 20–100 مليون جنيه استمرارًا لسياسة ممنهجة تضع حماية كبار المودعين والمستثمرين في أولوية أعلى من حماية الخدمات العامة أو توجيه التمويل للصناعة والزراعة.
الخبير المصرفي أحمد متولي يشير إلى أن البنوك تجد في هذه السياسة "حلًا سهلًا" لتأمين سيولة طويلة نسبيًا لتلبية طلبات الائتمان، خاصة في ظل تشدد معايير بازل بشأن نسب الاستقرار التمويلي.
لكنه يلفت أيضًا إلى أن التركيز على جذب الودائع الضخمة بعوائد مرتفعة يخلق فجوة بين ما تقدمه البنوك للاقتصاد الحقيقي وما تقدمه لفئة المودعين الكبار؛ فالبنوك تستفيد من هؤلاء عبر العمولات والخدمات الاستثمارية، في حين لا يحصل المنتجون الصغار والمتوسطون على شروط تنافسية مماثلة في الائتمان، بل يواجهون أسعار فائدة مرتفعة وضمانات معقدة.
حكومة تنقل كلفة الأزمة للقاعدة.. وأزمة ثقة تتعمق مع كل قرار لصالح القمة
في السياق الأوسع، تأتي هذه السياسات في وقت تحمل فيه الحكومة المصريين كلفة أزمة ممتدة: ارتفاع ضرائب غير مباشرة ورسوم على السلع والخدمات، خفض متواصل في دعم الطاقة والخبز تدريجيًا، وتآكل في الأجور الحقيقية بفعل التضخم، مع إنفاق مستمر على مشروعات عقارية وبنية فوقية لا يستفيد منها إلا جزء محدود من المجتمع.
وفي الوقت الذي يُطلب فيه من الطبقة الوسطى تقبّل خفض العائد على شهاداتها وتقليص بدائل الادخار المحلية، تُفتح أمام أصحاب 20–250 مليون جنيه وأكثر أبواب عوائد استثنائية، ورسائل رعاية خاصة، وخدمات مميزة.
د. هاني توفيق حذّر منذ سنوات من أن الدولة إذا واصلت سياسات تحميل القاعدة كلفة التصحيح الاقتصادي وحماية القمة، ستصل إلى لحظة تفقد فيها قدرتها على تعبئة المدخرات الصغيرة والمتوسطة، لأن هذه الفئات لن ترى في النظام المصرفي أداة لحماية مدخراتها بل وسيلة لتقليص قيمتها الحقيقية.
ومع تراجع الثقة في الجنيه وتكرار التعويم، بدأ جزء من الطبقة الوسطى بالفعل في البحث عن بدائل خارجية؛ شراء عقارات في الخارج، أو تحويل المدخرات إلى ذهب وعملات، بينما يُمنح كبار المودعين داخل مصر عوائد مرتفعة تضمن حماية نسبية لثرواتهم.
د. زياد بهاء الدين يؤكد أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتم عبر "هندسة مالية" داخل البنوك فقط، بل عبر إصلاح جذري لأولويات الإنفاق العام، وتقليص الاعتماد على الاقتراض لسد عجز الموازنة، وتوجيه الموارد لمجالات التعليم والصحة والبنية الإنتاجية، بدل استمرار نمط تمويل مشروعات ذات مردود محدود اجتماعيًا. في هذا الإطار، تبدو سياسات "فائدة عالية للمليونيرات" كتكثيف رمزي لخيارات سياسية أعم: حماية من في القمة عبر أدوات دين مصممة لهم، وترك من في القاعدة يواجهون الغلاء وتآكل المدخرات وضعف الخدمات وحدهم.
الخبير المصرفي أحمد متولي يشدد على أن ما يحدث ليس قدرًا تقنيًا، بل اختيار؛ كان يمكن للحكومة أن تدفع البنوك لمشاركة أكثر عدالة في تكلفة خفض الفائدة، عبر تخفيض تدريجي متوازن لكل الشرائح، أو عبر فرض ضرائب تصاعدية على عوائد الفائدة الكبيرة، أو عبر ربط امتيازات كبار العملاء بالتزامات تمويلية لصالح مشروعات إنتاجية تنفع قاعدة أوسع من المجتمع.
لكن ما جرى فعليًا يعكس أولوية مختلفة: الحفاظ على رضا شريحة محدودة تملك القدرة على تحريك مليارات الجنيهات في النظام المصرفي، حتى لو كان الثمن مزيدًا من شعور الأغلبية بأن النظام المالي يعمل ضد مصالحها، لا لحمايتها.
في النهاية، القرارات الأخيرة للبنوك ليست مجرد تفاصيل فنية في نشرات أسعار الفائدة؛ هي رسالة سياسية صريحة تقول إن من يملك 100 مليون أو 250 مليون جنيه سيجد دائمًا من يحمي ثروته بعائد 17–19%، بينما يُطلب من من يملك 100 ألف أو 500 ألف أن يتحمل خفض العائد وارتفاع الأسعار وضعف الخدمات، باسم "الإصلاح" و"الاستقرار".
هذه ليست سياسة نقدية محايدة، بل نموذج حكم يختار بوعي أن يضع المليونيرات على أولوية سلم الحماية، وأن يترك بقية المجتمع يتحمل وحده كلفة الفشل الاقتصادي.

