كشف تقرير السياسة النقدية عن ارتفاع صافي الأصول الأجنبية في القطاع المصرفي إلى 25.5 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025، بزيادة 4.7 مليار دولار في الربع الأخير، في أعلى مستوى منذ 2012 وفق رواية رسمية موازية صدرت عن الرئاسة والبنك المركزي، التي قدّمت الأرقام بوصفها دليلًا على "قوة المراكز المالية" و"تحسن تدفقات النقد الأجنبي"، لكن تفكيك مكونات هذه القفزة – وتحليل سلوك السوق خلال الفترة نفسها – يبين أن ما يقدَّم كإنجاز حكومي هو بالأساس حصيلة تدفق استثنائي لتحويلات المصريين بالخارج وأموال الدين القصير الأجل، في اقتصاد ما زال يعاني من عطش حقيقي للدولار، وقيود على الواردات، وغضب متصاعد من سياسات جباية تستهدف حتى هواتف المغتربين.
قفزة في صافي الأصول الأجنبية.. ناتج تحويلات وديون لا إصلاح إنتاجي أو تجاري
البيانات الرسمية تشير إلى أن صافي الأصول الأجنبية للبنك المركزي والقطاع المصرفي معًا بلغ 25.5 مليار دولار في ديسمبر 2025، ارتفاعًا من 20.8 مليار في سبتمبر، بزيادة 4.7 مليار خلال ربع واحد، وهو ما احتفت به مؤسسة الرئاسة باعتباره أعلى مستوى منذ فبراير 2020، ودليلًا على "مرونة القطاع المصرفي وقدرته على دعم الاستقرار النقدي"، مع الإشارة إلى أن صافي الأصول الأجنبية في البنوك التجارية وحدها وصل إلى 12.2 مليار دولار، وهو ما اعتُبر عودة قوية بعد سنوات من العجز أو الفجوة السلبية.
لكن مراجعة تقارير البنك المركزي وصندوق النقد الدولي تبيّن أن هذا التحسن لم يأت من زيادة كبيرة في الصادرات السلعية أو تراجع مستدام في الواردات عبر رفع القدرة الإنتاجية، بل من مزيج من القيود على الاستيراد، وارتفاع قياسي في تحويلات المصريين بالخارج، وتدفقات على أدوات الدين الحكومية، أي أننا أمام تحسن في "الورقة المحاسبية" لصافي الأصول الأجنبية، لا تحوّل بنيوي في ميزان التجارة أو هيكل الاقتصاد.
صافي الأصول الأجنبية، وفق تعريف البنك المركزي، هو الفرق بين الأصول الأجنبية والالتزامات بالعملة الأجنبية لدى الجهاز المصرفي؛ أي أن ارتفاعه قد يعني ببساطة أن البنوك جمعت دولارات أكثر من العملاء والمستثمرين، أو خفّضت التزاماتها تجاه الخارج، وليس بالضرورة أن الاقتصاد بات ينتج أو يصدّر أكثر، وهو ما يؤكده استمرار عجز الحساب الجاري عند مستويات ملحوظة، رغم تحسنه النسبي في 2024/2025، واستمرار حاجة مصر إلى تمويل خارجي سنوي يتجاوز 25–30 مليار دولار وفق تقديرات صندوق النقد.
الخبير الاقتصادي د. زياد بهاء الدين حذّر في تحليلات سابقة من الإفراط في الاحتفاء بمؤشرات مثل صافي الأصول الأجنبية والاحتياطي دون ربطها بجودة مصادرها؛ فجزء كبير من "التحسن" يأتي من تدفقات قصيرة الأجل على أدوات الدين، قابلة للانسحاب عند أول صدمة، ومن إجراءات إدارية قاسية على الاستيراد، ما يعني أن الوضع الخارجي ما زال هشًا، وأن أي حديث عن "استقرار قوي" مبالغ فيه ويخفي كلفة اجتماعية واقتصادية يدفعها المواطنون والقطاع الإنتاجي.
تحويلات المصريين بالخارج.. عمود الاقتصاد يُكافأ برسوم على الهواتف وتضييق تحت شعار "الحوكمة"
رواية الحكومة تعترف ضمنًا بأن المحرك الأساسي لارتفاع صافي الأصول الأجنبية كان "النمو القوي في تحويلات العاملين المصريين بالخارج"، حيث أظهرت بيانات البنك المركزي أن التحويلات قفزت إلى مستوى قياسي بلغ 36.5 مليار دولار في العام المالي 2024/2025، بزيادة 66.2% عن العام السابق، مع تحقيق حوالى 10 مليارات دولار في الربع الأخير وحده، كما تشير تقديرات صحفية إلى أن تحويلات 2025 الكامل وصلت إلى نحو 37.5 مليار دولار، وهو ما جعلها المصدر الأول والمستدام للعملة الصعبة في ظل تراجع عائدات الاستثمار الأجنبي طويل الأجل.
هذه الطفرة في التحويلات جاءت بعد سنوات من تراجع حاد بين 2022 و2023، نتيجة فقدان الثقة في سعر الصرف الرسمي واتساع الفجوة مع السوق الموازية، قبل أن تؤدي سلسلة من إجراءات مارس 2024 – من تعويم جديد للجنيه، ورفع الفائدة، واتفاقات مع صندوق النقد، وصفقات أصول – إلى جذب جزء من التدفقات عبر القنوات الرسمية، لكن دون معالجة جذور عدم الثقة؛ فالمغتربون عادوا للتحويل مجبرين بحكم ارتباط أسرهم في الداخل، لا اقتناعًا بنجاعة السياسات.
في المقابل، اختارت الحكومة أن "تكافئ" هذه الركيزة الأساسية بسياسة رسوم مثيرة للغضب؛ فاعتبارًا من يناير 2025، فرضت سلطات الجمارك والاتصالات ضريبة ورسومًا إجمالية تصل إلى 38.5% من قيمة الهواتف المحمولة التي يُدخلها المصريون القادمون من الخارج، تحت شعار "مكافحة التهريب وتعزيز التصنيع المحلي"، مع إلزامهم بالتسجيل والدفع عبر تطبيق "Telephony"، واستثناء مؤقت للسياح والأجانب، ما أثار موجة احتجاج واسعة على المنصات الرقمية وداخل الجاليات في الخليج وأوروبا.
https://english.ahram.org.eg/News/551871.aspx
صحيفة "ذا ناشيونال" الإماراتية وصفت هذه الرسوم بأنها "غير عادلة" في تقرير مطلع 2026، نقلت فيه شهادات لمغتربين تساءلوا عن منطق دفع ضريبة جديدة على هاتف دفعوا ثمنه وضرائبه في بلد الإقامة، وعن معنى أن يُعاملوا كمتهربين بينما هم من يملؤون خزائن البنك المركزي بالدولار، في حين أكدت وزارتي المالية والاتصالات أن 95% من الهواتف الداخلة إلى مصر "مهرَّبة"، وأن الرسوم ليست جديدة بل تطبيق صارم لقواعد قائمة، وهو ما يناقض تصريحات سابقة لمسؤولين تحدثوا عن إعفاء الهاتف الشخصي.
اقتصاديون مثل د. هاني توفيق انتقدوا هذا النهج بوصفه "جباية قصيرة النظر" تستهدف الفئة نفسها التي يعتمد عليها النظام في إنقاذ موقفه الخارجي، محذرين من أن تكرار مثل هذه القرارات – حتى إن لم ينعكس فورًا على حجم التحويلات – يضعف العلاقة المعنوية بين الدولة ومواطنيها في الخارج، ويغرس شعورًا بأن الحكومة لا تراهم إلا كمصدر دولارات وضرائب، لا كشركاء لهم حقوق سياسية وخدمية.
أرقام في مكاتب المسؤولين وسوق عطشى للدولار.. تحسن خارجي هش يغطي على أزمة ثقة أعمق
بينما تستعرض الرئاسة وقيادة البنك المركزي أرقام 25.5 مليار دولار في صافي الأصول الأجنبية، و49–52 مليار دولار في الاحتياطي، وترقيات طفيفة في التصنيف الائتماني إلى مستوى B مع نظرة مستقرة، تعيش السوق الحقيقية وضعًا مختلفًا؛ فشكاوى المصنعين من صعوبة فتح الاعتمادات المستندية لم تتوقف، وتقرير وزارة المالية نفسه يشير إلى أن صافي تدفقات الاستثمار في المحافظ بلغ نحو 1.6 مليار دولار فقط في عشرة أشهر من 2025، بعد خروج الجزء الأكبر من "الأموال الساخنة" خلال الأزمة السابقة، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الدولارات مجمّد في احتياطي لا يذهب إلى دعم استيراد مدخلات الإنتاج بالقدر الكافي.
وثيقة المراجعة الرابعة لصندوق النقد توضح أن احتياجات التمويل الخارجي لمصر ستظل عند حدود 25.9 مليار دولار سنويًا في 2025/2026 و2026/2027، ترتفع إلى حوالى 30.4 مليار لاحقًا، قبل أن تتراجع قليلًا، ما يعني أن ما يُقدّم الآن كتحسن في صافي الأصول الأجنبية هو حلقة في سلسلة إدارة أزمة ديون مزمنة، لا خروجًا منها؛ فكل زيادة في صافي الأصول الأجنبية اليوم مرهونة باستمرار تحويلات المغتربين، وإعادة تدوير الديون، وصفقات بيع أصول جديدة، في وقت لا يظهر فيه تحسن موازٍ في بيئة الاستثمار أو تنافسية الصادرات.
الخبير الاقتصادي د. أحمد السيد النجار يلفت إلى أن صافي الأصول الأجنبية، مهما ارتفع، لن يحل مشكلة اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج، ويُصدّر خامًا ويستورد مصنَّعًا، ويمنح امتيازات استثنائية لشركات تابعة للجيش وجهات سيادية، على حساب القطاع الخاص المنتج، معتبرًا أن التباهي بأرقام "صافي الأصول" بينما تظل نسب الفقر مرتفعة، والبطالة المقنّعة واسعة، والأسعار في مستويات تضخمية، يعكس انفصالًا بين جدول بيانات المسؤول وواقع حياة الناس.
في النهاية، يظهر المشهد كما وصفته أرقام البنك المركزي نفسها: دولة تعتمد في تحسين مؤشراتها الخارجية أساسًا على تحويلات العاملين بالخارج، وعلى تشديد القبضة الضريبية والجمركية حتى على هواتفهم الشخصية، بينما تظل مفاتيح الإصلاح الحقيقي – من إعادة هيكلة نموذج النمو، وتقييد تمدد الكيانات العسكرية في الاقتصاد، وتحسين مناخ الاستثمار والإنتاج – خارج جدول أعمال الحكومة.
وبينما تتفاخر السلطة بصافي أصول أجنبية بلغ 25.5 مليار دولار، يعرف المصريون في الداخل والخارج أن "الرصيد الحقيقي" الذي يسند هذه الأرقام هو كدحهم وتحويلاتهم، في وقت لا تنعكس فيه هذه المليارات على خدمات عامة محترمة، أو عدالة ضريبية، أو احترام لكرامتهم كمواطنين، لا فقط كممولين صامتين لعجز لا يتوقف.

