تتحدث التقديرات الرسمية عن تراجع عجز الحساب الجاري وتحسن "الوضع الخارجي" لمصر في الربع الثالث من 2025، مع أرقام ضخمة عن تحويلات العاملين وفوائض في ميزان الخدمات وانكماش في عجز الميزان التجاري غير البترولي، لكن المقارنة البسيطة مع بيانات البنك المركزي نفسه، وتقديرات صندوق النقد، وسلوك السوق خلال 2025، تكشف فجوة واسعة بين رواية "الانفراجة" الحكومية وبين واقع اقتصاد يعاني من عجز مزمن في الدولار، وتضخم مرتفع، وتقييد مستمر للواردات، وضغط كبير على حياة المواطنين.
أرقام مبالغ فيها لعجز الحساب الجاري والتحويلات.. الواقع والبيانات الرسمية لا يدعمان سردية "الطفرة"
البيان الذي يتحدث عن "تراجع عجز الحساب الجاري إلى 32 مليار دولار بما يعادل 8% من الناتج المحلي" في ربع سنة واحد يتعارض مباشرة مع الأرقام المنشورة من البنك المركزي وصندوق النقد؛ فبيانات الأداء في الفترة يوليو 2024 – مارس 2025 تشير إلى عجز حساب جارٍ بلغ 13.2 مليار دولار في 9 أشهر، بعد تحسن نسبته 22.6% مقارنة بالعام السابق، مع تأكيد أن التحسن الأساسي جاء من الربع الثالث (يناير–مارس 2025)، لكن بمستويات بعيدة تمامًا عن رقم 32 مليار دولار المذكور، الذي يعادل تقريبًا عجز سنوات كاملة في أوقات الأزمات، لا ربع واحد.
صندوق النقد الدولي توقع في مراجعات مارس 2025 أن يبلغ عجز الحساب الجاري نحو 5.4% من الناتج المحلي في 2023/2024، وأن ينخفض إلى حوالى 4.3% في 2025/2026، وهي نسب تشير إلى تحسن تدريجي، لكنها بعيدة عن سيناريو "قفزة حادة" أو "فائض قريب" كما يوحي الخطاب الرسمي، وتؤكد أن مصر ستبقى في خانة العجز الخارجي لسنوات، مع اعتماد مستمر على الاقتراض والتمويل الخارجي لسد الفجوة.
الأكثر لفتًا للانتباه هو الرقم المعلن لتحويلات العاملين "108 مليار دولار" في ربع واحد، وهو رقم غير متسق مع أي مصدر دولي أو رسمي؛ بيانات البنك المركزي تشير إلى أن تحويلات العاملين في أول 9 أشهر من 2025 بلغت نحو 30.2 مليار دولار بزيادة 45.1% على أساس سنوي، كما سجلت نحو 33.9 مليار دولار في 10 أشهر، فيما قدّرت تقارير صحفية إجمالي تحويلات 2025 بنحو 37–38 مليار دولار، وهي أرقام قياسية فعلًا لكنها تقع في نطاق المعقول، ولا تقترب بأي شكل من رقم 108 مليار دولار الذي يعادل ثلاثة أضعاف تحويلات سنة كاملة تقريبًا، ما يجعل الحديث عن "108 مليار في ربع" أقرب إلى خطأ أو تضليل واضح.
حتى على مستوى الربع الواحد، تُظهر قواعد بيانات Trading Economics أن تحويلات المصريين بلغت حوالى 10 مليارات دولار في الربع الثاني 2025 – وهو رقم قياسي في نطاق ربع سنة – وليس 108 مليارات، ما يؤكد أن "المبالغة" هنا ليست هامشية، بل ترتقي إلى مستوى تضخيم الحجم عشرة أضعاف تقريبًا، في تناقض صريح مع البيانات المنشورة دوليًا وداخليًا.
الاقتصادي د. هاني توفيق انتقد في مناسبات متعددة لجوء الحكومة إلى "تجميل الأرقام" لتقديم صورة وردية عن الخارج، مشيرًا إلى أن التحسن الجزئي في الحساب الجاري مدفوع بعوامل غير مستدامة مثل القيود على الواردات وتراجع الطلب المحلي بفعل التضخم وانخفاض القيمة الحقيقية للأجور، وليس نتيجة طفرة إنتاجية حقيقية أو زيادة تنافسية الصادرات، ما يجعل أرقام "التحسن" بعيدة عن أن تعكس راحة في السوق أو انفراجة في معيشة الناس.
ميزان خدمات يتحسن على الورق وسوق عملة يعاني.. قناة السويس والسياحة لا تمحوان عجز الدولار
البيان يتحدث عن صافي فائض في ميزان الخدمات يصل إلى 50 مليار دولار في ربع واحد، بزيادة 23% عن العام السابق، مدفوعًا بتحسن السياحة والنقل وقناة السويس، لكن بيانات البنك المركزي عن أول 9 أشهر من 2024/2025 تشير إلى أن التحسن الفعلي في الحساب الجاري جاء من ارتفاع إيرادات السياحة وتحسن نسبي في دخل قناة السويس قبل أزمة البحر الأحمر، مع تراجع في عوائد الحافظة وتراجع استثمارات المحافظ إلى 2.1 مليار دولار فقط مقابل 14.6 مليار في العام السابق، أي أن ميزان الخدمات تحسن نسبيًا على مستوى السنة، لكنه لم يصل إلى مستويات "فائض ضخم" كما توحي الأرقام المذكورة.
أزمة البحر الأحمر والهجمات على الملاحة في نهاية 2024 ومطلع 2025 أدت إلى تراجع ملحوظ في إيرادات قناة السويس، حسب تصريحات حكومية لاحقة، ما يعني أن أي أرقام تتحدث عن "قفزة" في إيرادات القناة خلال ربع أول 2025 يجب أن تؤخذ بحذر شديد، إذ أن جزءًا من التحسن في الحساب الجاري جاء من تراجع الواردات وتضييق الاستيراد أكثر منه من طفرة في دخل الخدمات.
الاقتصادي د. زياد بهاء الدين يشير إلى أن اعتماد الحكومة على أرقام تحسن مؤقت في ميزان المدفوعات لتسويق خطاب "الاستقرار الخارجي" يتجاهل حقيقتين: الأولى استمرار ارتفاع الدين الخارجي إلى أكثر من 160 مليار دولار بحلول منتصف 2025، بحسب بيانات Trading Economics، والثانية تسجيل ميزان المدفوعات نفسه عجزًا إجماليًا بنحو 1.6–1.9 مليار دولار في نهاية سبتمبر 2025 بعد أن كان يحقق فائضًا قبل عام، نتيجة تراجع حاد في تدفقات الاستثمار القصير الأجل وحصيلة صفقات استثنائية مثل صفقة رأس الحكمة.
واقع السوق في 2025 يؤكد الصورة السلبية؛ إذ ظل شح الدولار واضحًا في الجهاز المصرفي، مع استمرار وجود سوق موازية نشطة، وتأخر فتح اعتمادات مستندية لشهور، وبقاء قيود مشددة على استيراد الكثير من السلع، بما فيها مستلزمات الإنتاج، وهو ما لا يتسق مع خطاب رسمي يتحدث عن "تراجع الضغوط على النقد الأجنبي واستقرار سعر الصرف"، لأن الاستقرار هنا تحقق عمليًا عبر الكبح القسري للاستيراد، وليس عبر وفرة حقيقية في العملة الصعبة.
الخبير الاقتصادي د. مدحت نافع يرى أن الحديث عن "تحسن الوضع الخارجي" دون الإشارة إلى كلفة هذا التحسن – من حيث الانكماش في الطلب المحلي، وتراجع القدرة الشرائية، وتآكل مدخرات الأسر، وتباطؤ الاستثمار الخاص – هو "نصف حقيقة"، مذكّرًا بأن ميزان المدفوعات لا يقاس فقط من زاوية أرقام العجز والفائض، بل من خلال استدامة الموارد، وتنوع مصادرها، وتأثير السياسات المستخدمة لتحقيق توازن رقمي على الاقتصاد الحقيقي.
حساب مالي هش واستثمارات غير مستقرة.. والواقع المعيشي يكذّب رواية "الاستقرار الكلي"
البيان يشير إلى أن الحساب المالي والرأسمالي شهد "صافي تدفقات طفيفة للخارج نتيجة تراكم الأصول الأجنبية لدى البنوك"، وأن استثمارات مباشرة وتدفقات حافظة أوراق مالية عوضت جزئيًا هذه التدفقات، بما يعكس "قدرة الاقتصاد على النفاذ إلى مصادر التمويل الخارجي وتنامي ثقة المستثمرين"، لكن بيانات البنك المركزي عن الفترة نفسها تكشف العكس تقريبًا؛ إذ انخفضت التدفقات في الحساب المالي والرأسمالي إلى 7.7 مليار دولار من 20 مليار في العام السابق، بعد خروج أثر صفقة واحدة ضخمة (رأس الحكمة) من المقارنة، وسجلت البلاد صافي سداد في القروض متوسطة وطويلة الأجل بنحو 2.6 مليار دولار.
الاستثمار الأجنبي المباشر نفسه تراجع من نحو 6.8 مليار دولار في 2024 إلى 5.4 مليار فقط في يونيو 2025، حسب Trading Economics، مع تركّز جزء كبير منه في صفقات بيع أصول مملوكة للدولة (أراضٍ، حصص في شركات، امتيازات)، لا في توسعات إنتاجية حقيقية، وهو ما يعني أن وصف ذلك بأنه "تنامي ثقة المستثمرين" يتجاهل طبيعة هذه الاستثمارات وأثرها المحدود على خلق فرص عمل أو زيادة طاقة إنتاجية.
الاقتصادي البريطاني جيسون توفي من "كابيتال إيكونوميكس" قدّر في مذكرة حديثة أن تحسن الحساب الجاري في مصر سيستمر خلال 2026، لكنه نبّه إلى أن هذا يأتي في سياق "نمو ضعيف، وجنيه حقيقي أقل قيمته، وقيود على الواردات"، محذرًا من أن أي تخفيف سريع لهذه القيود أو صدمة جديدة في أسعار الغذاء أو الطاقة قد يعيد العجز إلى الاتساع، ما يعني أن الحديث عن "مرونة أمام الصدمات الخارجية" مبالغ فيه، لأن الهشاشة ما زالت عالية جدًا، كما يظهر من حاجات التمويل الكبيرة وأجندة سداد الديون الثقيلة في 2026–2028.
الأهم أن المواطن العادي لا يشعر بأي "تحسن خارجي" ينعكس على حياته؛ فالتضخم في 2024/2025 ظل عند متوسط يفوق 20% وفق صندوق النقد، مع توقع تراجعه إلى نحو 11.8% فقط في 2025/2026 إذا التزمت الحكومة بالسياسات المتفق عليها، بينما تظل الأجور الحقيقية متآكلة، وفواتير الطاقة والسلع الأساسية في ارتفاع، وأزمات مثل غلاء الغذاء في رمضان 2026 مؤشر واضح على أن "استقرار الاقتصاد الكلي" لم يتحول إلى استقرار معيشي.
في ضوء كل ذلك، يصبح من الصعب قبول رواية رسمية تتحدث عن "تحييد الضغوط التضخمية" و"تعزيز قيمة الجنيه" و"دعم صلابة الوضع الخارجي" دون موازنتها بالحقائق التالية: عجز حساب جارٍ ما زال عند 4–5% من الناتج، دين خارجي يتجاوز 160 مليار دولار، ميزان مدفوعات يعاني من عجز إجمالي، اعتماد كبير على تحويلات العاملين التي قد تتأثر بأي اضطراب إقليمي أو إجراءات في دول الخليج، وبيئة استثمارية لا تزال تُصنّف عالية المخاطر.
الاقتصادي د. أحمد السيد النجار يلخص المفارقة بقوله إن الحكومة تتعامل مع تحسن جزئي في بعض بنود ميزان المدفوعات وكأنه "انتصار كامل"، متجاهلة أن الواقع على الأرض – من سعر الدولار في السوق، إلى طوابير الانتظار على فتح الاعتمادات، إلى استمرار الاعتماد على قروض جديدة – يكذّب عمليًا خطاب "الخروج من الأزمة"، ويؤكد أن ما حصل هو فقط تخفيف مؤقت للضغط عبر إجراءات مكلفة اجتماعيًا، لا إصلاح بنيوي يغيّر جذور ضعف الاقتصاد المصري.

