قفز سعر الدولار في مصر بنهاية الأسبوع بنحو 34–54 قرشًا في عدد من البنوك الحكومية والخاصة، ليستقر في نطاق 47.30 – 47.50 جنيه للشراء و47.40 – 47.60 جنيه للبيع، مع أول أيام رمضان، بعد أسابيع من هدوء نسبي، في تحرك ربطته بنوك الاستثمار بتصاعد الحديث عن ضربة عسكرية أمريكية محتملة لإيران، لكنه في الواقع يكشف هشاشة وضع سوق الصرف، واعتمادًا مفرطًا على الخارج، وعجزًا مستمرًا عن حماية المواطن من أي صدمة سعرية.
صدمة جيوسياسية تكشف هشاشة الجنيه
تزامن ارتفاع الدولار مع موجة صعود عالمية للعملة الأمريكية، بعد تقارير عن احتمالات تصعيد عسكري في الشرق الأوسط، ما دفع المستثمرين دوليًا للتحوط بالدولار كملاذ آمن. هذا العامل الخارجي حقيقي، لكنه لا يفسر وحده سرعة انعكاسه على السوق المصري بهذا الشكل، بعد فترة قصيرة من خطاب رسمي يتحدث عن “استقرار تاريخي” في الاحتياطي والعملة.
الدكتور كريم عبد الباسط، الخبير الاقتصادي، أوضح في تصريحات صحافية أن أسواق العملات حساسة للأحداث الجيوسياسية، وأن الحديث عن عمل عسكري يدفع المستثمرين للنزول إلى الدولار، لكنه أشار أيضًا إلى أن الاستقرار السابق للجنيه كان مدعومًا بتحسن مؤشرات النقد الأجنبي، بما يعني أن أي توتر يعيد هذه المؤشرات إلى نقطة توازن جديدة، وهو ما يكشف أن الاستقرار كان هشًا، معتمدًا على ظرف خارجي مواتٍ لا على بنية داخلية قوية.
المحلل المالي عمرو الشافعي شدد على أن التحرك الأخير ليس بالضرورة نتيجة انخفاض مفاجئ في الاحتياطي، بل رد فعل عالمي، لكن إضافة مهمة يغفلها الخطاب الرسمي هي أن التحرير شبه الكامل لسعر الصرف، دون علاج فجوة الدولار في الميزان التجاري، جعل السوق سريع التأثر بأي خبر خارجي، وأن غياب رسائل واضحة ومسبقة من البنك المركزي عن كيفية التعامل مع هذه الصدمات يترك المتعاملين في حالة ترقب وقلق، تزيد من الطلب على العملة الصعبة.
الخبير الاقتصادي وائل النحاس انتقد في تحليلات سابقة الاكتفاء بتحميل الخارج مسؤولية كل موجة ارتفاع، مشيرًا إلى أن استمرار العجز التجاري، وضعف نمو الصادرات الحقيقية، وتباطؤ الاستثمار الصناعي، يعني أن أي صدمة – حتى لو كانت محدودة – ستجد اقتصادًا مكشوفًا، وأن الحكومة لم تستغل فترات الهدوء السابقة لبناء هوامش أمان كافية، سواء بتحسين هيكل الواردات أو بتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي.
رمضان، الأسعار، وغياب حماية المستهلك
ارتفاع الدولار مع أول رمضان يضع ملف الأسعار في قلب الصورة. الشهر يشهد عادة زيادة قوية في الطلب على السلع الغذائية والخدمات المرتبطة بالمناسبة، ما يجعل أي تحرك في سعر الصرف يتحول سريعًا إلى ضغط جديد على المستهلك، في ظل ضعف فعلي لآليات الرقابة على الأسواق، وغياب شفافية في تحديد هوامش الربح.
الدكتور شريف فهمي، الخبير الاقتصادي، قال إن ارتفاع الدولار يرفع تكلفة السلع المستوردة والمواد الخام التي يعتمد عليها الإنتاج المحلي، وإن أي زيادة في التكلفة تنتقل عادة إلى أسعار التجزئة خلال أسابيع، خاصة في سوق تعاني أصلًا من تضخم مرتفع. ويرى أن ترك الأسعار “تتدحرج” مع كل موجة دولار، مع الاكتفاء بتصريحات عن “متابعة الأسواق”، يعني عمليًا أن المواطن يتحمل وحده تكلفة كل صدمة خارجية وداخلية.
محلل الأسواق وليد جاد أوضح أن الحالة الاستهلاكية المرتفعة في رمضان تجعل تقلب سعر الصرف أكثر خطورة، لأن زيادة الدولار لا ترفع فقط أسعار اللحوم والزيوت والسكر، بل تدخل في تكلفة النقل، والتغليف، والخدمات اللوجستية، ما يوسع دائرة الزيادة لتشمل معظم السلع، معتبرًا أن الحكومة لم تقدّم حتى الآن سياسة تسعير أو مخزون إستراتيجي واضح يَضمن عدم تمرير كامل الزيادة للمستهلك.
الخبير الاقتصادي السيد خضر أشار في تعليقات إعلامية إلى أن البنك المركزي يملك احتياطيًا “مريحًا”، وأن جزءًا من الارتفاع قد يكون مؤقتًا، لكنه حذّر من أن المشكلة المزمنة هي أن الأسعار في مصر نادرًا ما تنخفض مع تراجع الدولار لاحقًا، بسبب ضعف أدوات ضبط الأسواق، وغياب آليات تلزم كبار المستوردين وتجار الجملة بعكس أي تحسن في سعر الصرف على المستهلك، وهو ما يراكم موجات تضخم فوق بعضها.
سياسة نقدية تحت الاختبار… وأعباء تُرحَّل للمواطن
الحكومة والبنك المركزي يشيران إلى أن احتياطي النقد الأجنبي عند مستويات تاريخية، وإلى أن أدوات السياسة النقدية قادرة على التعامل مع الصدمات. لكن سرعة تحرك الدولار، وحساسية السوق لأي خبر خارجي، تعكسان أن إدارة ملف الصرف ما زالت في وضع دفاعي، وأن التركيز على تقوية صورة الجنيه إعلاميًا لم يُترجم إلى تحصين حقيقي للسوق من موجات التوتر.
بيانات البنوك تشير إلى أن التحرك الأخير جاء بعد فترة من حديث عن اقتراب استثمارات جديدة، وتحسن في تدفقات العملة الصعبة، لكن الواقع يكشف أن جزءًا كبيرًا من هذه التدفقات ما زال مرتبطًا ببيع أصول، أو باتفاقات مشروطة، وليس بنمو مستقر في الصادرات أو السياحة أو تحويلات مستقرة، ما يجعل أي تعطل في هذه المصادر يعيد الضغط بسرعة على سعر الصرف.
الدكتور كريم عبد الباسط يلفت إلى أن بنكًا مركزيًا يرفع شعار “السعر مرن” لا يكفيه الإعلان عن الاحتياطي، بل يحتاج إلى إستراتيجية معلنة لإدارة التقلبات، توضح حدود التدخل، ورسائل واضحة للمستثمرين والمتعاملين، حتى لا يتحول كل خبر إقليمي إلى موجة هلع. غياب هذه الشفافية يعزز التوقعات السلبية، ويزيد الطلب على الدولار لمجرد الخوف من ارتفاع أكبر لاحقًا.
من جانبه، يشدد وائل النحاس على أن تأجيل إصلاح هيكل الاقتصاد، والاكتفاء بإجراءات نقدية قصيرة الأجل، يعني أن المواطن سيظل يدفع ثمن كل توتر خارجي في صورة ارتفاع أسعار، دون أن يرى مقابلًا في شكل تحسن حقيقي في الأجور أو الخدمات، معتبرًا أن هذا النمط يوسع فجوة الثقة بين الشارع والسياسات الاقتصادية.
في النهاية، ارتفاع الدولار 34–54 قرشًا مع أول رمضان ليس مجرد حركة رقمية في شاشات البنوك، بل اختبار جديد لمدى قدرة الحكومة والبنك المركزي على حماية الجنيه، وحماية المستهلك. ما سيتضح خلال أسابيع هو ما إذا كانت هذه الصدمة ستمرّ كحلقة عابرة، أم تتحوّل إلى موجة جديدة من الغلاء، تثبت أن كل حديث عن “الاستقرار” لم يلامس بعد حياة المصريين.
فيما يذهب اخرون الى ان اقتراب موعد اجتماع صندوق اللنقد بشان منح مصر الشريحتين الخامسة والسادسة هو السيي الابرز ’ اذ يريد نظام السيسي اسصال رسالة بأن العملات غير ثابتة وان هناك تعةينا نمرنا...

