هاجمت الدكتورة سالي صلاح السلطة الحاكمة في مصر بلغة غير معتادة، وقالت إن «مصر تلفظ أنفاسها الأخيرة أمام أعيننا»، وإن الحكومة «فاسدة للنخاع»، وإن النظام «تجاوز كل حدود الفجور»، داعية الشعب إلى كسر الصمت ومواجهة ما وصفته بأنه نهب منظم للأصول وبيع للمستقبل. وربطت بين الفساد الداخلي واستغلال خارجي تقوده، في رأيها، أطراف إقليمية في مقدمتها الإمارات.
اتهامات بالاستعمار الجديد و«شعب مغيب»
في مطلع مقالها، تساءلت سالي صلاح بحدة: «هل الشعب مات؟ هل الرجولة انتهت؟ هل الوطنية تبخرت؟ هل الجنود الشرفاء ماتوا في الحرب؟»، وقالت إن ما يجري من صمت هو ذل لا يليق، وإن ما يسري في عروق المصريين لم يعد دمًا بل «ماء بلا حياة»، وإن استمرار هذا الوضع يعني أن المصريين يسيرون نحو «الارتطام النهائي بالأرض» بينما يتفرجون، على حد وصفها.
قدمت سالي صلاح تصورًا قاتمًا لمستقبل البلد، قالت فيه إن النظام والحكومة سيهربون بمليارات الدولارات، وسيتركون نحو 110 مليون مواطن عبيدًا أذلاء لـ«الاستعمار»، معتبرة أن ما يحدث ليس مجرد فساد تقليدي بل «استعمار جديد» على الأرض وعلى الحياة اليومية، من دون إطلاق طلقة واحدة، وأن الشعب «مغيب»، وتم بيعه وبيع مصر «بأبخس الأثمان»، بينما قبض النظام وحاشيته الثمن، بحسب اتهاماتها المباشرة.
حذرت الكاتبة من وضع دولة «بلا إنتاج»، وسألت القارئ إن كان يدرك معنى دولة بلا زراعة ولا طاقة ولا ماء ولا غاز، موضحة أن ذلك يعني دولة مُسلَّبة من كل شيء، حتى الهواء أصبح سلعة تُباع وتُشترى. وقالت إن السلطة «باعت الماء، باعت الهواء، باعت المستقبل»، ولم تترك للشعب سوى الذل والديون وعقود استعباد طويلة الأجل، مؤكدة أن ما يجري ليس مجرد سوء إدارة بل منظومة استنزاف كاملة.
قدمت سالي صلاح ما وصفته بـ«3 حقائق لا تُنكر»: أولًا أن من وضع «قاعدة عسكرية في صحرائنا ونهب أرضنا وثرواتنا» هو نفسه من سيستغل المصريين، وثانيًا أن الإمارات، التي وصفتها بأنها «مفضوحة عالميًا»، ستنتهك حرمة بيوت المصريين، وستتورط، بحسب اتهامها، في أبشع الجرائم ضد الإنسان والمرأة، بما في ذلك الانتهاكات الجنسية والأعمال الشاذة. وثالثًا أن وصول هؤلاء سيعني سلب الحقوق وانتزاع النساء من منازلهن. وقالت إن هذا «واقع» قادم إذا استمر الصمت الشعبي.
مدبولي وحكومة «الصفقات» وهندسة ما قبل رمضان
خصصت سالي صلاح جزءًا كبيرًا من المقال للهجوم على الحكومة الحالية برئاسة مصطفى مدبولي، وكتبت تحت عنوان واضح: «مدبولي.. حكومة الفساد»، مؤكدة أن هذه الحكومة لم تعد، في رأيها، تدير البلاد بل تدير «صفقات»، وأن ما يحدث ليس خطأً محاسبيًا ولا سهوًا إداريًا ولا «ظروفًا استثنائية»، لأن أي جاهل، على حد وصفها، لو جلس مكان المسؤولين لسأل: كيف تُباع أهم الأصول الاستراتيجية بأفدح الشروط على حساب الشعب؟
اتهمت سالي صلاح الحكومة بأنها تتقن «هندسة تغييب الوعي» قبل رمضان، عبر خلط السياسة بالترفيه والإلهاء، وضربت مثالًا بما سمته «فيلم الراقصة والسياسي» واللعب «بالبيضة والحجر». واعتبرت أن هذه الأجواء تُصنع بالتوازي مع الإعلان عن حزمة مالية على بطاقات التموين وصرف مرتبات مبكرًا قبل الشهر الكريم، في صورة «أم تضم أطفالها»، تمهيدًا لخطوات اقتصادية أصعب.
توقفت الكاتبة عند تصريح حكومي يقول: «لن تكون هناك زيادات في الأسعار دون مبررات»، واعتبرته جملة تحتاج إلى «فك شفرة»، وقالت إن الحكومة لم تفشل مرة واحدة في إيجاد مبررات لأي زيادة سابقة، سواء بحجة الحرب على الإرهاب أو جائحة كورونا أو حرب أوكرانيا أو تأخر شحنة غاز أو صيف مُحرق أو شتاء قارس، وإن معنى «دون مبررات»، في رأيها، أن المبررات «جاية في الطريق» لكن مؤجلة مؤقتًا.
ربطت سالي صلاح بين هذه الخطوات وبين موعد مراجعة صندوق النقد الدولي، وقالت إن «الساعة هتدق» يوم 25 فبراير 2026، مؤكدة أن هذا التاريخ يأتي بعد نحو أسبوع من بداية شهر رمضان، ومعتبرة أن السيناريو يكاد يكون معدًا: قبل رمضان حزمة مالية ووعود بعدم رفع الأسعار لطمأنة الناس، وخلال رمضان مرتبات مبكرة وانشغال بالعبادة والروحانيات، وبعد رمضان مراجعة الصندوق وشروط جديدة تؤدي إلى زيادات حتمية في الأسعار.
وصفت الكاتبة هذا الأسلوب بأنه ليس إدارة دولة بل «شركة تسويق للصدمات»، وقالت إن الحكومة تقدم حوافز قصيرة ثم تترك الشعب يواجه موجات الغلاء وحده، وإن الناس يُطلب منهم أن «يستمتعوا بالشهر الكريم ويدعوا كثيرًا»، ثم يستقبلوا بعده موجة جديدة من القرارات المؤلمة، على حد ما جاء في هذه الفقرات.
صفقة جبل الزيت: أرقام الخسارة واتهامات «صفقات الإمارات»
خصصت سالي صلاح محورًا كاملًا لما وصفته بأنه «أفجر صفقة في التاريخ»، متعلقة بمحطة جبل الزيت لتوليد الكهرباء بالرياح، وقدمتها كنموذج، في رأيها، للتورط مع الإمارات في صفقات مشبوهة. قالت إن المحطة تُعد جوهرة للطاقة وأحد أفضل 5 مواقع رياح في العالم، وإنها كلفت الدولة 580 مليون دولار تكاليف إنشاء ممولة بقروض يابانية وألمانية.
أشارت إلى أن الحكومة باعت المحطة لشركة «ألكازار» الإماراتية مقابل 420 مليون دولار، وقدرت «الخسارة الفورية» بـ160 مليون دولار، موضحة أن 300 مليون دولار من ثمن البيع ذهبت لسداد ديون، وأن «صافي» ما دخل خزينة مصر لم يتجاوز 120 مليون دولار، في مقابل التزام الدولة، وفق ما عرضته، بدفع 1.125 مليار دولار على مدار 25 سنة لشراء الكهرباء المنتجة.
أضافت سالي صلاح أن الحسابات تشير، بحسب ما قدمته، إلى أن مصر كانت ستوفر نحو 1.875 مليار دولار لو احتفظت بالمحطة، وقدرت «الخسارة الإجمالية» للصفقة بـ3.58 مليار دولار، ووصفتها بأنها تعادل «400% خسارة»، وتساءلت عن مصير الفارق الضخم ومن المسؤول عنه، مؤكدة أن أحدًا لم يُسأل عن مستقبل هذه الأموال، ولم تُطرح الأسئلة على الرأي العام.
قارنت الكاتبة بين عرض بريطاني من شركة «أكتيس» قالت إن قيمته تراوحت بين 300 و350 مليون دولار «من دون التزامات طويلة»، وبين عرض الإمارات من «ألكازار» بقيمة 420 مليون دولار مع التزام طويل الأجل لشراء الكهرباء لمدة 25 سنة، واعتبرت أن الحكومة رفضت العرض البريطاني وقبلت العرض الإماراتي لأنها، بحسب اتهامها، فضلت صفقة تضمن تدفق دولارات للخارج لعقود، وتخدم متطلبات صندوق النقد الدولي في ضمان سداد الديون الخارجية، حتى لو كان ذلك على حساب مستقبل الشعب.
اتهمت سالي صلاح الإمارات بأنها «مفضوحة عالميًا» في صفقات مشبوهة وغسيل أموال واستحواذ على أصول استراتيجية بأسعار بخسة، وقالت إن العالم يفضح هذه الممارسات بينما مصر «تستقبلهم بأحضان مفتوحة»، وتمنحهم، على حد تعبيرها، جبل الزيت والغاز والموانئ والأرض والزراعة. وحذرت من أن الأمر قد يمتد، وفق اتهامها، إلى النساء والفجور والمنهج الإبراهيمي، مستخدمة لغة شديدة القسوة في توصيف هذا المسار.
محاكمة المسؤولين والدستور كشهادة اتهام
في ختام مقالها، انتقلت سالي صلاح من الاتهام السياسي إلى المطالبة بمسار قضائي، وقالت إن محاكمة مصطفى مدبولي وحكومته لم تعد مجرد مطلب شعبي بل أصبحت «واجبًا وطنيًا»، وإن محاكمة المتورطين في صفقات الإمارات المشبوهة أصبحت ضرورة لإنقاذ ما تبقى من موارد البلد، مطالبة بإحالة عدد من المسؤولين إلى القضاء بتهمة إهدار المال العام والتورط في صفقات مع جهات أجنبية.
حددت الكاتبة من تعتبرهم مسؤولين عن صفقة جبل الزيت: وزير الكهرباء بوصفه «مصمم الصفقة»، متهمة إياه بخسارة 400% وتفضيل العرض الإماراتي على البريطاني، ووزير المالية الذي وافق على ما وصفته بـ«النزيف» وإهدار الدولار لـ25 سنة قادمة، ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي باعتباره صاحب السلطة الأعلى في تمرير هذه الصفقات، ورئيس الرقابة الإدارية وقت الصفقة لتغاضيه عن ضياع 160 مليون دولار، بالإضافة إلى كل من وقّع أو أجاز أو غض الطرف عن بيع الأصول الاستراتيجية بأسعار بخسة.
استندت سالي صلاح في ختامها إلى المادة 32 من الدستور المصري، التي تنص على أن الموارد الطبيعية ملك للشعب، وتلتزم الدولة بالحفاظ عليها وحسن استغلالها وعدم استنزافها ومراعاة حقوق الأجيال القادمة فيها، وسألت: محطة جبل الزيت ملك من؟ وطرحت سؤالًا مباشرًا: من أعطى الحكومة الحق في بيع أصل يُعد، في رأيها، من أهم أصول الطاقة في البلد؟ ثم ختمت بأن الأجيال القادمة ستدفع 1.125 مليار دولار ثمنًا لشراء كهرباء من محطة كانت مملوكة لها، متسائلة: من سيعوضهم عن هذا القرار؟

