عبارة شيخ المجاهدين عمر المختار: “نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت” تُلخص سيرة رجل أنهى حياته في مواجهة المحتل، وتبقى لسان حال كل مناضل من أجل الحرية والكرامة الإنسانية مهما اشتد عسف الطغاة. على هذا المعنى تُكتب سيرة الدكتور محمود عزت إبراهيم. رجل علمٍ وطبٍّ وعملٍ مجتمعي، تحوّل إلى هدف دائم لحملات التشويه، وإلى مطاردٍ نجح في الإفلات من القبض لسنوات، ثم ظهر في المحكمة مُنهكًا بعد القبض عليه يوم 28 أغسطس 2020.
الميلاد والتعليم والمسار العلمي في الطب والأوبئة
الدكتور محمود عزت إبراهيم وُلد في القاهرة يوم 13 أغسطس 1944. وهو أستاذ بكلية الطب جامعة الزقازيق، متزوج وله 5 أولاد. حصل على الثانوية العامة سنة 1960، ثم بكالوريوس الطب عام 1975، ثم الماجستير عام 1980، ثم الدكتوراه عام 1985 من جامعة الزقازيق. وتوسع علميًا بدبلوم معهد الدراسات الإسلامية عام 1998، ثم إجازة قراءة حفص من معهد القراءات عام 1999.
لم يتوقف جهده عند الشهادات. ارتبط اسمه ببحوث وأنشطة في مقاومة عدوى المستشفيات في مصر وبريطانيا. وامتد عمله البحثي إلى الأمراض الوبائية داخل مصر، مثل الالتهاب السحائي الوبائي ووباء الكوليرا. هذا المسار العلمي جاء مرتبطًا بخدمة قضايا وطنه طبيًا، لا بمنطق الوجاهة أو الاستعراض، وبتركيز على الصحة العامة ومواجهة الأخطار الوبائية التي تمس المجتمع مباشرة.
اتسع نشاطه إلى العمل الطبي الخيري. شغل منصب نائب رئيس مجلس إدارة الجمعية الطبية الإسلامية، التي قُدمت بوصفها مؤسسة تقدم خدمة طبية مستمرة حتى اليوم. وجرى توصيفه داخل هذا المسار بأنه من الذين أسسوا الجمعية التي تتبعها عشرات المستشفيات والفروع، وأنه كان أول مدير للمستوصف الطبي الأول فيها، مع حضور بارز في حملات علاج المحتاجين بأسعار رمزية وبدون ضجيج إعلامي.
الانتماء المبكر والاعتقالات: من 1965 إلى “سلسبيل” ثم 2008
تعرّف الدكتور محمود عزت على الإخوان المسلمين صبيًا سنة 1953، ثم انتظم في صفوفهم سنة 1962 وهو طالب بكلية الطب. في عام 1965 اعتُقل وصدر حكم بسجنه 10 سنوات وخرج سنة 1974، وكان وقتها في السنة الرابعة، ثم أكمل دراسته وتخرج في كلية الطب عام 1976. عرفت السجون اسمه في شبابه، ثم تكرر المشهد لاحقًا في عصور سياسية مختلفة.
استمر نشاطه الدعوي داخل مصر، وخصوصًا الطلابي والتربوي، ثم ذهب عام 1981 للعمل في جامعة صنعاء في قسم المختبرات. وفي العام نفسه اختير عضوًا في مكتب الإرشاد سنة 1981. ثم سافر إلى إنجلترا ليكمل رسالة الدكتوراه، قبل أن يعود إلى مصر ويحصل على الدكتوراه من جامعة الزقازيق سنة 1985، في مسار جمع بين العمل الأكاديمي والحضور التنظيمي.
في عهد مبارك، احتُجز 6 أشهر على ذمة التحقيق في القضية المعروفة بـ “سلسبيل”، ثم أُفرج عنه في مايو 1993. وفي عام 1995 حُكم عليه بالسجن 5 سنوات لمشاركته في انتخابات مجلس شورى الجماعة واختياره عضوًا في مكتب الإرشاد، وخرج عام 2000. ثم أعيد اعتقاله في 2 يناير 2008 يوم الجمعة بسبب مشاركته في مظاهرة وسط القاهرة احتجاجًا على الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة.
قبل الثورة على مبارك، أطلق تصريحًا شهيرًا عام 2010 أكد فيه أن “جماعة الإخوان جماعة شرعية وقانونية ودستورية”، وأن شرعيتهم “شرعية واقعية”، مع تأكيد أن طريق الإصلاح يحتاج تضافر القوى، وأن الحوار مع الأحزاب نابع من قناعة إصلاحية لا من طلب اعتراف انتخابي. جاء هذا التصريح بلهجة تثبيت حق الوجود السياسي، لا لغة تراجع أو مهادنة، وفي لحظة كان فيها المجال العام محكومًا بالتضييق.
ما بعد 2013: قيادة في الظل، سِلمية مُعلنة، ومطاردة تنتهي بالقبض في 28 أغسطس 2020
بعد اعتقال المرشد العام الدكتور محمد بديع يوم 20 أغسطس 2013، جرى تعيين الدكتور محمود عزت قائمًا بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين منذ سبتمبر 2013. ومنذ ذلك التاريخ بدأت مرحلة المطاردة الطويلة. ظل متخفيًا داخل مصر 7 سنوات، حتى فشلت أجهزة الانقلاب في اعتقاله طوال هذه المدة، وهو ما فتح الباب أمام صناعة “أساطير” عن مكانه، مرة في ألمانيا ومرة في تركيا ومرة في غزة.
في تلك السنوات ظهر مسار آخر من الصراع. أُلصقت به اتهامات الإرهاب، ووُصف بأنه العقل المدبر للعمليات الإرهابية، ومؤسس الجناح العسكري للجماعة، وجرى التعامل معه كـ“رأس الأفعى”. وتحوّل اسمه إلى ساحة لتبادل الألقاب: “ثعلب الإخوان”، و“صقر الإخوان”، و“المرشد الحقيقي”. كما وُصف بأنه “مستر إكس” الإخوان، في محاولة لصناعة صورة خرافية تبرر العجز عن العثور عليه وتغطي إخفاقات الأجهزة.
موقع “ديبكا” الإسرائيلي المقرب من الموساد زعم وجوده في غزة تحت حماية حركة حماس، وقيل إنه هرب إليها بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي. وتلقف إعلام الانقلاب ما قيل وظل يعزف على هذا الوتر. وفي خط آخر من التشويه، قال الصحفي إبراهيم عيسى عبر موقع صحيفة الدستور إن الدكتور محمود عزت “الرأس المدبر للمجازر التي ارتكبها الإخوان”، بينما صنفه باحثون وناشطون ضمن ما سموه “التنظيم القطبي”، مع ذكر أسماء مثل الدكتور محمد بديع والمهندس خيرت الشاطر.
وسط هذه الحملات، ظل خط السلمية حاضرًا بوصفه “الخيار الأصيل”. جرى التأكيد على الالتزام بالسلمية استنادًا إلى النداء الذي أطلقه المرشد من على منصة رابعة: “سلميتنا أقوى من الرصاص”. وجرى الحديث عن بيانات ورسائل كان يبثها الدكتور محمود عزت من حين لآخر لتأكيد البعد عن العنف. ظل هذا المعنى جزءًا من تعريفه داخل أنصاره: رجل يقاوم الانقلاب لكنه لا يبدل طريقه إلى طريق السلاح.
انتهت المطاردة بالقبض عليه يوم الجمعة 28 أغسطس 2020 في شقة متواضعة في التجمع الخامس. وجرى التعامل مع القبض بوصفه لحظة كاشفة، لا لأنه “سرق المليارات” أو “تورط في فساد مالي أو أخلاقي”، بل لأنه رفض الأمر الواقع ورفض الانقلاب، وفق السرد الذي يقدمه المدافعون عنه. ثم جاءت لحظة المحكمة لتفتح بابًا جديدًا للحديث عن حالته الصحية وظروف احتجازه.
الكاتب الصحفي قطب العربي، مساعد أمين المجلس الأعلى للصحافة السابق، قال إن أستاذ الطب الدكتور محمود عزت، القائم بأعمال المرشد العام حتى تاريخ القبض عليه 28 أغسطس 2020، ظهر في المحكمة جالسًا بسبب الإعياء والمرض، وتحدث عن صمود “دوّخ” قوات الأمن 7 سنوات، وشبهه بحالة الإخواني الراحل فرج النجار الذي اختفى لأكثر من 20 عامًا.
توالت ردود الفعل بعد ظهور الصحفي إسلام عقل - مدير قناة وطن - الذي قال إن الرجل “أستاذ الطب بجامعة الزقازيق” وليس “عجوزًا مشردًا”.
وقال هيثم أبوخليل، مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان، إن ظهوره بهذه الحالة لأنه لم يحظ بمكان احتجاز لائق ولا معاملة لائقة.
وكتب الصحفي مصطفى عاشور، المذيع بقناة الجزيرة، متعجبًا مما آل إليه حال “الشيوخ الحاصلين على أعلى المراتب العلمية”، وشاركه الإعلامي أسامة جاويش دعاءه.
في السياق نفسه، كتب الإعلامي الشاب عبدالله الماحي أنه يعرف الكثير عن “طبيب الغلابة” الأستاذ الجامعي محمود عزت، وتحدث عن تأسيس الجمعية الطبية الإسلامية وإدارتها للمستوصف الأول، وعن حملات طبية لعلاج الملايين بأسعار رمزية وبدون ضجة.
وتزامن ذلك مع تغريدة كتبتها إيمان محمود، المتحدثة الإعلامية باسم جماعة الإخوان المسلمين، تشيد فيها بقائد ظل يدير عمله على رأس جماعة كبيرة رغم المطاردة.
بارك الله في قائد ظلّ يمارس عمله على رأس أكبر حركة وجماعة إسلامية في العالم، يحاربها الصهاينة ومشروعهم وتابعيهم في العالم كله، ومع ذلك فقد بقى سبع سنوات ورغم كبر سنه ومطاردة الانقلاب له وفيا معطاء قائما بعمله علي خير وجه، فاللهم احفظه وباركه وغنمه السلامة في الدارين
— إيمان محمود (@mbs_eman) August 30, 2020
يمتد الإطار العام في السيرة إلى الحديث عن القمع الذي طال معارضين، مع توثيق منظمات حقوقية لاعتقال أكثر من 60 ألف معتقل على الأقل، وتوصيف سياسات عقابية وقتل خارج إطار القانون، إلى جانب “تجفيف” للعمل الخيري الذي كان يقوم به عاملون في الحقل الإنساني والصحي والاجتماعي. وفي هذا المناخ تُطرح رؤية أن اعتقال القائم بأعمال المرشد لا يوقف الجماعة، لأنها تعتمد على نظم شورية ومؤسسات منتخبة لا ترتبط بالأشخاص.
وتبقى المحطات الأساسية ثابتة في هذا المسار الطويل: ميلاد عام 1944، صعود أكاديمي في الطب حتى الدكتوراه عام 1985، سلسلة اعتقالات تبدأ بحكم 1965 ثم “سلسبيل” و1995 و2008، ثم قيادة في الظل بعد 2013، فمطاردة 7 سنوات تنتهي بالقبض يوم 28 أغسطس 2020، وظهور في المحكمة أطلق موجة شهادات من صحفيين وحقوقيين وإعلاميين.

