تزامن الحديث عن تأجيل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لأبوظبي بسبب «مشكلة صحية» لرئيس الإمارات محمد بن زايد، مع تصاعد التوتر السعودي–الإماراتي على خلفية ملف اليمن ومحاولات الرياض تقليص نفوذ أبوظبي إقليميًا، في وقت تتعرض فيه دبي لهزة معنوية بعد الإطاحة برئيس مجموعة «دي بي وورلد» على خلفية وروده بالاسم في ملفات جيفري إبستين، ما يغذي انطباعًا بوجود أزمة مركبة داخل الدولة الاتحادية، تجمع بين غموض في وضع رأس النظام، وضغوط خارجية متزايدة، وتداخل حساس بين الاقتصاد والسياسة وصورة النخبة الحاكمة في عيون الشركاء الدوليين.
تأجيل زيارة أردوغان يفتح باب الأسئلة حول صحة محمد بن زايد
الرواية الموثقة حتى الآن تشير إلى أن الرئيس التركي أعلن تأجيل زيارة رسمية كانت مقررة للإمارات، موضحًا في بيان نُشر على حسابه في منصة X ثم حُذف أن القرار جاء بعد اتصال هاتفي مع محمد بن زايد، تمنى خلاله له الشفاء من «مشكلة صحية»، قبل أن تسارع وسائل الإعلام التركية الرسمية لسحب الأخبار التي ذكرت تفاصيل الوعكة، بينما احتفظت وكالات دولية بنسخ موثقة من البيان المحذوف وأعادتها إلى التداول كوثيقة رسمية سابقة على الحذف.
في المقابل تحدثت وكالة الأنباء الإماراتية عن الاتصال بين الزعيمين، لكنها تجاهلت تمامًا الإشارة لتأجيل الزيارة أو لوجود أي مشكلة صحية، واكتفت بصياغة بروتوكولية عن «بحث العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية»، ثم نشرت الرئاسة الإماراتية صورًا أُعلن أنها التُقطت في اليوم نفسه تقريبًا لمحمد بن زايد مبتسمًا إلى جوار أمير قطر تميم بن حمد، في محاولة واضحة لإرسال إشارة استقرار وطمأنة، دون تقديم رواية مباشرة تنفي أو توضح ما ورد في بيان أنقرة المحذوف حول الحالة الصحية.
هذا التباين بين ما أعلنته الرئاسة التركية ثم حذفته، وبين تجنب أبوظبي الخوض في تفاصيل وضع الرئيس الصحي، فتح الباب واسعًا أمام التأويلات، خصوصًا في ظل حساسية موقع محمد بن زايد كحاكم فعلي للإمارات ومهندس سياستها الخارجية خلال العقد الأخير، ما يجعل أي غموض حول حالته الصحية عامل قلق داخلي وإقليمي، حتى لو حرصت الصور الرسمية على إظهار قيادة سياسية تعمل بشكل طبيعي، بينما تلتزم المؤسسات بصمت كامل تجاه أسئلة منطقية عن سبب تأجيل زيارة رسمية رفيعة المستوى في اللحظات الأخيرة.
إلى جانب ذلك، تتداول بعض المنصات المعارضة روايات غير موثقة عن «استياء داخل دوائر الحكم» من طريقة إدارة الملف الصحي ومن تسرّب خبر الوعكة عبر أنقرة، لكن هذه الادعاءات لا تستند حتى الآن إلى مصادر مستقلة يمكن التحقق منها، وتبقى في إطار التسريبات السياسية والاستغلال الإعلامي لفراغ المعلومات، في منطقة تُفضّل أنظمتها التقليديًا حجب التفاصيل المتعلقة بصحة القادة، ما لم تضطرها تطورات كبرى إلى إصدار بيانات واضحة وملزمة للرأي العام المحلي والخارجي.
خلاف سعودي–إماراتي يتجاوز اليمن إلى تلميحات بتصدعات داخل الاتحاد
الخلفية الأوسع للأزمة تتعلق بتفاقم الخلاف بين السعودية والإمارات خلال حملة الجنوب اليمني 2025–2026، حيث اتهمت الرياض أبوظبي بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي في تحركات عسكرية اعتبرتها المملكة تهديدًا لوحدة اليمن ولمصالحها الأمنية، وانتهت المواجهة بانسحاب إماراتي وتدخل سعودي مباشر لإسقاط مكاسب المجلس، قبل أن تُحلّ قيادته ويُتهم رئيسه Aidarus al-Zubaidi بالفرار إلى أبوظبي، وسط اتهامات سعودية للإمارات بتهريبه عبر مسار بحري وجوي التفافي أثار احتجاجات من دول أخرى مثل الصومال.
هذا التوتر في ملف اليمن ترافق مع تصعيد واضح في لغة وسائل الإعلام السعودية وبعض الأصوات القريبة من دوائر القرار في الرياض، حيث بدأت مقالات وحملات على منصات التواصل في إبراز فروق بين أبوظبي ودبي، والتلميح لوجود «اختلال في توازن القوى» داخل الاتحاد، وهي لهجة يرى مراقبون أنها محاولة مدروسة للضغط على أبوظبي عبر اللعب على وتر الفيدرالية الإماراتية، في تذكير بأساليب دعاية سابقة استُخدمت خلال أزمة حصار قطر عام 2017، حيث جرى توظيف الإعلام لتأزيم علاقات داخلية في دول أخرى بهدف إضعاف خصوم إقليميين.
في هذا السياق تتردد تكهنات في بعض الكتابات والتحليلات غير الرسمية عن أن القيادة السعودية تحاول فتح قنوات مباشرة مع حكام إمارات غير أبوظبي، في محاولة لإعادة توزيع الثقل داخل الاتحاد أو لتقليص قدرة محمد بن زايد على احتكار قرار السياسة الخارجية، غير أن هذه الروايات لم تُدعَم حتى الآن بتقارير موثوقة أو وثائق منشورة، وتبقى في مساحة القراءة السياسية لسلوك الرياض الإعلامي والدبلوماسي، أكثر منها حقائق مؤكدة يمكن البناء عليها كوقائع حاسمة في المشهد الداخلي الإماراتي.
كما تتداول أوساط معارضة مصرية وعربية أحاديث عن «شكوى» نقلها محمد بن زايد لقائد الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي من سلوك الرياض، بزعم أن السعوديين يلتفون حول أبوظبي ويتواصلون مع حكام إمارات أخرى، لكن البحث في المصادر المفتوحة لا يكشف عن أي توثيق مستقل لهذه المزاعم، ما يجعلها أقرب إلى تسريبات سياسية تُستخدم داخليًا في معارك محور ضد آخر، ولا يمكن التعامل معها كمعطى ثابت في قراءة توازنات القوة داخل الدولة أو في علاقاتها مع حلفائها الإقليميين.
تسريبات إبستين تضرب صورة دبي المالية وتزيد الضغط على النخبة الحاكمة
في موازاة الغموض السياسي والتوتر الإقليمي، تلقّت دبي ضربة معنوية واقتصادية بعد الكشف عن ورود اسم سلطان أحمد بن سليم، الرئيس السابق لمجموعة «دي بي وورلد» ورئيس هيئة الموانئ والجمارك والمناطق الحرة في الإمارة، ضمن الأسماء التي أُزيحت عنها السرية في ملفات جيفري إبستين، حيث أشارت وثائق وتقارير إلى مراسلات ممتدة بين الرجلين، وزيارات محتملة لجزيرة إبستين الخاصة، وتبادل رسائل ذات طابع تجاري وشخصي مثير للجدل، ما دفع شركاء غربيين إلى تجميد تعاونهم مع المجموعة والضغط لتغيير قيادتها.
استجابت دبي سريعًا للضغط، فأعلنت عن تعيين عيسى كاظم رئيسًا لمجلس إدارة «دي بي وورلد»، ويوفراج ناراين مديرًا تنفيذيًا للمجموعة، بدلًا من سلطان بن سليم الذي قاد الشركة لأكثر من أربعة عقود، وأشرف على توسعها في عشرات الموانئ حول العالم، قبل أن تتحول علاقته الموثقة بإبستين من مصدر نفوذ إلى عبء ثقيل على سمعة الشركة وعلى صورة الإمارة كمركز مالي وتجاري يسعى لاستقطاب استثمارات غربية حساسة، في مرحلة تشهد أصلاً نقاشًا غربيًا واسعًا حول معايير الامتثال والحوكمة في المراكز المالية خارج أوروبا وأمريكا الشمالية.
الأخطر في هذه التسريبات أن بعض التقارير الأجنبية وصفت سلطان بن سليم سابقًا بأنه «اليد اليمنى» لحاكم دبي محمد بن راشد في ملفات الاقتصاد والتجارة، ما يربط بشكل غير مباشر بين اسم من النخبة الاقتصادية الإماراتية وبين شبكة علاقات إبستين التي أصبحت رمزًا عالميًا للفساد الأخلاقي والمالي، حتى لو لم تثبت على الرجل نفسه تهم جنائية مباشرة، وهو ما يضع القيادة الاقتصادية في دبي تحت مجهر إضافي، ويجبرها على تقديم تنازلات سريعة في ملف الأشخاص، للحفاظ على المصالح الاستراتيجية الأوسع للإمارة في التجارة واللوجستيات العالمية.
هذه التركيبة من غموض حول الوضع الصحي لرئيس الدولة، وتصعيد سعودي إعلامي وسياسي يستهدف نفوذ أبوظبي ويستحضر حساسيات البنية الاتحادية، إضافة إلى ارتدادات تسريبات إبستين على واحد من أهم أذرع دبي الاقتصادية، ترسم مشهدًا معقدًا لأزمة إماراتية داخلية–خارجية متشابكة، حتى لو فضّلت أبوظبي حتى الآن إدارة الملف بالصمت وتبادل الصور الرسمية، بدل الاعتراف بوجود اهتزازات حقيقية في توازنات السلطة والاقتصاد والعلاقات الإقليمية.

