أثار قرار الحكومة الإسرائيلية استئناف تسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية كـ«أملاك دولة» للمرة الأولى منذ عام 1967 موجة إدانات عربية ودولية متصاعدة، اعتبرته السلطة الفلسطينية «ضمًّا فعليًا» للأرض المحتلة، ووصفته عواصم عربية رئيسية مثل القاهرة وعمّان والدوحة والرياض والكويت وأنقرة بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي ومحاولة لفرض سيادة إسرائيلية على أراضٍ محتلة بالقوة، بينما حذرت منظمات دولية وحكومات غربية من أن هذه السياسات تجهز عمليًا على حل الدولتين وتقوّض أي أفق لتسوية سياسية عادلة.
قرار إسرائيلي يعيد فتح تسجيل الأراضي منذ 1967 ويُستخدم كأداة للضم
القرار الذي صادقت عليه الحكومة الإسرائيلية يسمح باستئناف ما يسمى «تسوية وتسجيل ملكية الأراضي» في مناطق واسعة من الضفة، خصوصًا في منطقة C الخاضعة بالكامل للسيطرة الإسرائيلية بموجب اتفاق أوسلو، بعد تجميد هذه الإجراءات منذ احتلال عام 1967، ما يعني أن أي فلسطيني يدّعي ملكية أرض سيكون ملزمًا بتقديم مستندات قديمة ومعقدة لإثبات حقه، في بيئة قانونية صنعتها عقود الاحتلال تُصعّب الوصول إلى الوثائق أو تعترف فقط بسجلات انتقائية.
وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن الخطة قُدمت من جانب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير العدل ياريف ليفين ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، وتتضمن إلغاء تشريعات أردنية سابقة، ورفع السرية عن سجلات أراضٍ ظلت مغلقة لعقود، وتهيئة إطار قانوني يسمح بتصنيف مساحات واسعة كـ«أراضي دولة» تمهيدًا لتوسيع الاستيطان، في ظل تقديرات لمنظمات إسرائيلية معارضة للاستيطان بأن ما يصل إلى 83% من منطقة C قد ينتهي فعليًا تحت اليد الإسرائيلية عبر هذه الآلية البيروقراطية.
وتؤكد السلطة الفلسطينية أن هذه الخطوة تمثّل «إنهاءً فعليًا» للاتفاقات الموقعة، خاصة أوسلو، إذ تُحوِّل ملفًا يفترض أن يكون جزءًا من تسوية نهائية إلى إجراء أحادي لضم الأرض، وتصف القرار بأنه «انتهاك صارخ» لقرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرار 2334 الذي يعتبر كل الأنشطة الاستيطانية في الأراضي المحتلة منذ 1967، بما فيها القدس الشرقية، غير شرعية، وترى أن هذه السياسات لن تغيّر من الوضع القانوني للأرض كأرض محتلة وفق القانون الدولي رغم محاولة فرض سيادة أمر واقع بقوة السجل العقاري والإدارة المدنية.
إدانات عربية متزامنة: فلسطين والأردن ومصر وقطر والسعودية والكويت وتركيا
السلطة الفلسطينية، عبر الرئاسة ووزارة الخارجية، وصفت القرار بأنه «ضم فعلي» و«إطلاق رسمي لمخططات الضم»، وأكدت أن تحويل أراضٍ فلسطينية إلى «أملاك دولة» تحت سلطة الاحتلال خطوة «باطلة قانونيًا» وتهدف إلى شرعنة التوسع الاستيطاني، داعية مجلس الأمن والولايات المتحدة إلى التدخل الفوري لوقف التنفيذ، ومشددة على أن الإجراءات الإسرائيلية لن تمنح الاحتلال أي شرعية، ولن تغيّر من حقيقة أن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وغزة أراضٍ محتلة يجب إنهاء احتلالها وفقًا لقرارات الأمم المتحدة.
الأردن أدان القرار «بأشد العبارات»، واعتبرته وزارة الخارجية في عمّان «انتهاكًا فاضحًا للقانون الدولي» ومحاولة لضم أراضٍ فلسطينية، مؤكدة أن إسرائيل «لا تملك أي سيادة قانونية» على الضفة الغربية، ورافضة أي محاولة لفرض قوانين أو سيادة إسرائيلية على الأرض المحتلة، وداعية المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته في وقف «التصعيد الخطير» والإجراءات الأحادية، ومشددة على أن تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، هو الطريق الوحيد لسلام عادل ومستقر في المنطقة.
مصر من جانبها وصفت القرار بأنه «تصعيد خطير» و«استمرار لسياسة الإجراءات الأحادية» في الأراضي المحتلة، وأكدت وزارة الخارجية أن استئناف تسجيل الأراضي في الضفة للمرة الأولى منذ 1967 يهدف إلى «تكريس السيطرة الإسرائيلية» على الأرض وتقويض مقومات الدولة الفلسطينية، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل «انتهاكًا فاضحًا» للقانون الدولي وللقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، إضافة إلى مخالفتها لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وعلى رأسها القرار 2334، الذي يجرّم الاستيطان وكل ما يترتب عليه من تغيير للتركيبة القانونية والديموغرافية للأراضي المحتلة.
وشهد الخليج العربي أيضًا مواقف متزامنة؛ إذ أدانت السعودية وقطر والكويت القرار بوصفه «خطة غير قانونية» لتحويل أراضي الضفة إلى «أملاك دولة» إسرائيلية، وحذرت بيانات وزارات الخارجية في هذه الدول من أن الإجراء يمثل محاولة لفرض واقع قانوني وإداري جديد يخالف قرارات مجلس الأمن، ويضعف فرص الوصول إلى تسوية سياسية قائمة على حل الدولتين، وطالبت المجتمع الدولي باتخاذ خطوات «ملموسة» لردع هذه السياسات، وتحمّل مسؤوليته القانونية والأخلاقية تجاه حماية الحقوق الفلسطينية ومنع استكمال مسار الضم المقنّع.
تركيا بدورها أدانت القرار، واعتبرت وزارة الخارجية التركية أن تسجيل أراضٍ في الضفة كـ«أملاك دولة» محاولة لفرض سلطة الاحتلال وتوسيع الأنشطة الاستيطانية، ووصفت الخطوة بأنها «باطلة» ولا تنتج أي شرعية، مؤكدة أن إسرائيل لا تمتلك سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن استمرار التوسع الاستيطاني وتغيير أنظمة الملكية في الضفة يقوّض جهود السلام ويضرّ مباشرة بفرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويمثل تحديًا صارخًا للرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية الذي اعتبر الاحتلال والاستيطان غير قانونيين ودعا إلى إنهائهما في أسرع وقت.
قلق دولي وتحذيرات من «ضم فعلي» وانهيار حل الدولتين
على المستوى الدولي، أثار القرار مخاوف واسعة من أن يكون مقدمة لضم رسمي أو على الأقل لـ«سيادة أمر واقع» في الضفة الغربية، إذ حذرت تقارير أممية ومنظمات حقوقية من أن إعادة فتح ملف تسجيل الأراضي في منطقة C، مع اشتراط وثائق يصعب على الفلسطينيين توفيرها بعد عقود من الاحتلال والنزاعات والحروب، ستفضي عمليًا إلى تجريد آلاف الفلسطينيين من أراضيهم وتحويلها إلى «أراضي دولة» مفتوحة أمام التوسع الاستيطاني، في وقت يسكن فيه أكثر من 700 ألف مستوطن في الضفة والقدس الشرقية بالمخالفة للقانون الدولي.
تقارير صحفية غربية أشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي وصف التوجهات الإسرائيلية في الضفة بأنها «خطوة أخرى في الاتجاه الخاطئ»، ولوّح بدراسة إجراءات سياسية واقتصادية إذا استمرت السياسات التي تقوّض حل الدولتين، بينما حذرت الأمم المتحدة من أن منح إسرائيل مزيدًا من الأدوات القانونية للسيطرة على الأرض يعني فعليًا تحويل الاحتلال المؤقت إلى ضم مستمر، ما يضع المنظومة القانونية الدولية أمام اختبار لمصداقية قراراتها وآليات تنفيذها، خاصة بعد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية عام 2024 الذي اعتبر الاحتلال والاستيطان غير قانونيين وطالب بإنهاء هذه الأوضاع.
وترى السلطة الفلسطينية ودول عربية عدة أن القرار ليس إجراءً إداريًا تقنيًا كما تروّج الحكومة الإسرائيلية، بل جزء من حزمة أوسع من القرارات التي وافق عليها المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي تهدف إلى توسيع السيطرة الإدارية والقانونية على الضفة، عبر إلغاء قيود سابقة على بيع الأراضي للمستوطنين، وفتح سجلات الملكية، ونقل بعض صلاحيات التخطيط والبناء من سلطات فلسطينية محلية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، بما يجعل أي حديث عن «حل الدولتين» متناقضًا مع الوقائع الجديدة التي تُفرَض على الأرض بقوة القانون الداخلي والسجلات العقارية.
في ظل هذا المشهد، تبدو موجة الإدانات العربية والدولية تعبيرًا عن إدراك متزايد بأن قرار تسجيل أراضي الضفة كـ«أملاك دولة» ليس خطوة معزولة، بل حلقة في مسار متكامل يسعى لضم أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع أقل عدد ممكن من السكان الفلسطينيين، ويضع المجتمع الدولي أمام خيارين واضحين: إما الاكتفاء ببيانات التنديد المتكررة، أو الانتقال إلى أدوات ضغط حقيقية توقف مسار الضم الفعلي قبل أن يصبح أمرًا واقعًا لا رجعة فيه على حساب حقوق شعب يعيش تحت الاحتلال منذ أكثر من 57 عامًا.

