خلال الأسابيع الأخيرة، تحوّلت الإقامة من إجراء إداري يفترض أن ينظّم الوجود القانوني إلى “مصيدة” يومية للسوريين في مصر. روايات حقوقيين وشهادات متقاطعة تتحدث عن توقيفات في الأكمنة والشوارع، واحتجازات قصيرة يتخللها تهديد بالترحيل، في وقت تتعثر فيه مسارات تجديد الإقامات أو إصدارها، وتتراكم المواعيد والإجراءات والاشتراطات الأمنية.

 

المفارقة أن وزارة الداخلية تُصرّ على نفي صدور “ضوابط جديدة” لدخول السوريين، عبر بيان مقتضب يدعو إلى عدم الانسياق وراء الشائعات، دون أن يقدّم إجابة عن جوهر الأزمة داخل البلاد: ماذا يحدث لمن انتهت إقامتهم بينما أبواب التسوية الفعلية شبه مغلقة أو بطيئة إلى حد الشلل؟ 

 

حملات التفتيش: من مخالفة ورقية إلى احتجاز فعلي

 

وفق ما وثّقته تقارير حقوقية وإعلامية، توسعت عمليات الاستيقاف والتفتيش في مناطق ذات كثافة سورية مثل 6 أكتوبر ومدينة نصر وفيصل. النمط الأكثر تكرارًا ليس ضبط جرائم، بل ضبط “وضع قانوني”: إقامة منتهية، أو ورقة انتظار، أو ملف لم يكتمل بسبب مواعيد بعيدة أو موافقات أمنية متأخرة.

 

المشكلة لا تتوقف عند الاستيقاف. روايات الحقوقيين تتحدث عن احتجاز لأيام داخل أقسام الشرطة لحين “فحص الموقف”، ثم إحالة للسفارة في حالات بعينها لاستخراج وثيقة مرور أو بدء ترتيبات ترحيل. هذا المسار، حتى إن قُدّم بوصفه “تطبيقًا للقانون”، يضع السوريين في معادلة قاسية: أنت مطالب بإقامة سارية في وقت لا تستطيع فيه عمليًا الوصول إلى تجديد سريع أو واضح.

 

والأكثر حساسية أن التوقيف لا يميّز بين عامل بسيط وصاحب ورشة أو مشروع أو عقار. أي أن “المخالفة” قد تصبح أداة لقطع الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتفكيك استثمارات صغيرة ومتوسطة بُنيت على سنوات من الإقامة الفعلية، لا على هامشية عابرة.

 

القانون موجود.. لكن المسار القانوني مُعطّل

 

منذ صدور قانون لجوء الأجانب رقم 164 لسنة 2024، بدا أن الدولة تتجه إلى إعادة ضبط ملف اللجوء والإقامة عبر أطر قانونية. لكن التطبيق على الأرض، وفق المنظمات الحقوقية، سار في اتجاه معاكس: تضييق مسارات الإقامة وربطها بقنوات محدودة، وتعقيد الإجراءات، وتعطيل أو تقليص تجديد الإقامات السياحية، مع اشتراط موافقات أمنية وتكاليف متزايدة. النتيجة: “عدم انتظام قانوني قسري” لفئات واسعة، رغم كونها مسجلة أو في طور التسجيل لدى مفوضية اللاجئين.

 

بيان مشترك لعشر منظمات حقوقية (يناير 2026) يذهب أبعد من وصف الأزمة، ويضع مطالب محددة: وقف حملات القبض والترحيل، الاعتراف بالمستندات المؤقتة، إخضاع أي احتجاز لرقابة قضائية فعالة وبسقف زمني، وتمكين المفوضية السامية من الوصول للمحتجزين وتقديم المشورة القانونية قبل تنفيذ قرارات الترحيل.

 

هذه المطالب تكشف نقطة جوهرية: المشكلة ليست “مخالفة” فقط، بل غياب مسار عملي وسريع للتقنين. عندما تُترك آلاف الملفات في طوابير تمتد شهورًا وربما أطول، ثم يُلاحق أصحابها في الشارع باعتبارهم “مخالفين”، تتحول الإدارة إلى مصنع للانتهاك، حتى دون إعلان قرار جديد.

 

إنكار “الضوابط الجديدة” لا يجيب عن السؤال الأصعب

 

نفي الداخلية اقتصر على “الدخول” إلى مصر، ولم يتناول بوضوح ما يجري داخلها. وبينما تداولت وسائل إعلام أن الحملات تستهدف “مخالفي شروط الإقامة”، فإن اتساع نطاق التوقيفات—وفق التوثيق الحقوقي—يربط الأزمة ببنية الإجراءات نفسها، لا بسلوك أفراد فقط.

 

الأرقام تضع القضية في سياقها: حتى 31 مارس 2025، كان عدد السوريين المسجلين لدى مفوضية اللاجئين في مصر نحو 139,384 شخصًا، فضلًا عن أعداد غير مسجلة أو مقيمة بطرق مختلفة.  في ظل هذا الحجم، أي ارتباك إداري يتحول بسرعة إلى أزمة أمنية واجتماعية: خوف من النزول للعمل، تجنب مناطق بعينها، تراجع في الحركة الاقتصادية، وفتح الباب أمام استغلال وابتزاز، لأن “الخوف” دائمًا سوق سوداء.

 

الحل ليس في مزيد من الكمائن، ولا في بيانات مقتضبة. المطلوب قواعد معلنة ومكتوبة، وفترة سماح واقعية، وإجراءات تجديد قابلة للإنجاز لا للانتظار، وتصاريح مؤقتة معترف بها لمن لديهم مواعيد أو ملفات قائمة، مع وقف الترحيل في الحالات التي يثبت فيها خطر الإعادة القسرية أو تعذر استكمال الإجراءات بسبب بطء الجهة الإدارية. بدون ذلك، ستظل الدولة تُنتج “مخالفين” ثم تعاقبهم على ما صنعته هي.