الجمعة الماضية، تحوّلت أرصفة الموانئ في عدد من مدن إيطاليا إلى ما يشبه استفتاءً عماليًا على الحرب في غزة: رافعات متوقفة، بوابات مغلقة، وسفن مرتبطة بشركات إسرائيلية عالقة قبالة الساحل، فيما يردد العمال شعارًا واحدًا: «عمال الموانئ لا يعملون من أجل الحرب».

 

التحرك لم يكن وقفة رمزية لساعات، بل جزءًا من يوم عمل دولي موحّد شمل أكثر من 20 ميناء في حوض البحر المتوسط وأوروبا، استهدف ما يصفه المنظمون بـ«عسكرة الموانئ» وتحويلها إلى ممرات لشحن السلاح، خصوصًا إلى إسرائيل في ظل الحرب المتواصلة على غزة.

 

سفينة «Zim New Zealand» عالقة قبالة جنوة… ورسائل من البحر

 

في ميناء جنوة، كان المشهد الأكثر رمزية. مع إعلان وصول السفينة Zim New Zealand التابعة لشركة الشحن الإسرائيلية ZIM، أعلن عمال الميناء إضرابًا واعتصامًا عند البوابات الرئيسية، رافضين السماح بدخول ما وصفوه بـ«سفينة مرتبطة بشحنات أسلحة». السفينة اضطرت إلى البقاء راسية في عرض البحر، بعدما رُفض استقبالها في الأرصفة التجارية للميناء.

 

التقارير تشير إلى أن الأمر لم يتوقف عند تلك السفينة؛ فـZim Virginia بقيت قبالة ساحل مدينة ليفورنو دون أن ترسو، بينما غيّرت Zim Australia خط سيرها بدل الدخول إلى موانئ البندقية ورافينا كما كان مخططًا، في حين أعادت سفينة MSC Eagle III – التابعة لشركة MSC – جدولة رحلتها بعيدًا عن الموانئ الإيطالية المتوقفة.

 

هكذا تحوّل الميناء إلى نقطة ضغط حقيقية؛ قرار عمالي محلي أدى عمليًا إلى تعطيل جدول حركة سفن تجارية عملاقة، بعضها اعتاد نقل شحنات يُشتبه في ارتباطها بالعتاد العسكري المتجه إلى إسرائيل.

التقارير البحرية تحدثت عن تأخيرات واسعة في سلاسل التوريد عبر المتوسط، بسبب اضطرار السفن للبقاء في الانتظار أو تغيير مساراتها نحو موانئ بديلة في بلدان أخرى.

 

«لا نعمل من أجل الحرب»: إضراب عابر للحدود من طنجة إلى مرسين

 

التحرك في جنوة لم يكن معزولًا؛ بل جاء في إطار «اليوم الدولي للعمل في الموانئ» الذي دعت إليه نقابات عمالية بقيادة اتحاد Unione Sindacale di Base (USB) وآخرين، تحت شعار: Dockworkers don’t work for war – عمال الموانئ لا يعملون من أجل الحرب.

 

بحسب تقرير منصة Groundxero، شارك في الإضرابات والوقفات عمال موانئ في أكثر من 20 ميناء، من بينها في باليرمو وترييستي وأنكونا وباري وكروتوني داخل إيطاليا، إضافة إلى موانئ في اليونان وإسبانيا وتركيا وفرنسا والمغرب.

 

بيان النقابات المنظِّمة حدّد أربعة محاور رئيسية للتحرك:

 

  1. رفض استخدام الموانئ في شحن السلاح إلى مناطق الصراع، خصوصًا إلى غزة، حيث يتهم العمال الحكومات الغربية بالتواطؤ في «إبادة جماعية».
  2. الاعتراض على خطط الاتحاد الأوروبي لإعادة التسلح، المعروفة باسم «ReArm Europe»، وربطها بتدهور حقوق العمال وتجميد الأجور.
  3. مقاومة خصخصة البنى التحتية للموانئ وتحويلها إلى أدوات بيد الشركات العسكرية والاحتكارات اللوجستية.
  4. الدفاع عن حق النقابات والعمال في اتخاذ مواقف سياسية وأخلاقية من قضايا الحرب والسلام، وعدم تجريم التضامن مع فلسطين.

 

في الشوارع المحيطة بالموانئ، انضم طلاب ونشطاء وحركات تضامن مع فلسطين إلى العمال، في مسيرات رفعت الأعلام الفلسطينية ولافتات تربط بين «اقتصاد الحرب» وغلاء المعيشة وتقليص الخدمات الاجتماعية في أوروبا.

 

من رافينا إلى جنوة: تراكم خبرة عمالية في وقف شحنات السلاح

 

احتجاجات السادس من فبراير جاءت على أرضية عام كامل من تحركات مشابهة؛ ففي سبتمبر 2025، رفضت سلطات ميناء رافينا – بدعم من العمال والسلطات المحلية – إدخال شاحنتين محملتين بمتفجرات كانت في طريقها إلى ميناء حيفا، بحجة الالتزام بما قيل إنه «حظر سلاح» تجاه إسرائيل، وسط تصاعد الاحتجاجات ضد الحرب على غزة.

 

وفي الشهر نفسه، شهدت جنوة ومدن أخرى إضرابًا عامًا وقطعًا للطرق المؤدية للموانئ، قاده عمال الموانئ ونقابات قاعدية، بهدف وقف أي شحنات مرتبطة بالجيش الإسرائيلي.

تقارير صحفية دولية تحدثت آنذاك عن أن هذه التحركات تمثل ضغطًا متناميًا على حكومة اليمين برئاسة جورجا ميلوني بسبب موقفها المنحاز لتل أبيب.

 

ما يميز تحرك 6 فبراير 2026 أنه خطوة منسقة عابرة للحدود؛ النقابات ترى أن معارضة الحرب من داخل المصانع أو في الشوارع لا تكفي، وأنه يجب استهداف «نقاط الخنق اللوجستية» في الموانئ، حيث تمر الأسلحة والذخائر والمؤن العسكرية.

تقرير لموقع Quds News Network أشار إلى أن الإضراب الإيطالي الأخير أجبر بالفعل عدة سفن مرتبطة بإسرائيل على تغيير مسارها أو تأجيل رسوها، ما يؤكد قدرة العمال على تعطيل جزء من ماكينة الحرب من موقعهم على الأرصفة.

 

في خلفية المشهد، يتواصل السجال السياسي داخل إيطاليا حول العلاقة مع إسرائيل والحرب على غزة. فبينما تصر الحكومة على الخطاب التقليدي عن «التحالفات الإستراتيجية» و«التوازن»، تكشف تحركات عمال الموانئ – من رافينا إلى جنوة – عن تيار عمالي وشعبي واسع يرى أن أقل أشكال التضامن مع الفلسطينيين هو رفض أن تتحول أيديهم إلى جزء من سلسلة إمداد تنتهي بقذيفة على بيت في غزة.

 

بهذا المعنى، لم يكن احتجاج عمال الموانئ مجرد نزاع مهني على ظروف العمل، بل فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا بامتياز: عمال يعلنون، من قلب البنية التحتية للتجارة العالمية، أنهم لن يكونوا «سعاة بريد» لحروب لا يدفع ثمنها سوى المدنيين… وأن بإمكان رافعة حاويات في جنوة أن تُربك – ولو مؤقتًا – طريق سفينة سلاح في المتوسط.