تتفاقم أزمة تأخر صرف تعويضات نزع الملكية للمنفعة العامة في عدد من المحافظات بعد مرور أكثر من أربع سنوات على استحقاقها، في وقت تتزايد فيه شكاوي المواطنين من تدني قيمة التعويضات مقارنة بالأسعار الفعلية للعقارات، وتراجع القوة الشرائية للجنيه.

 

وفي هذا السياق، تقدّم وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، النائب إيهاب منصور، بطلب إحاطة عاجل موجّه إلى رئيس حكومة السيسي، وعدد من الوزراء المعنيين، من بينهم وزراء المالية والتخطيط والنقل والإسكان والتنمية المحلية والري والأوقاف والعدل، إلى جانب رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، بشأن ما وصفه بتأخر غير مبرر في صرف مستحقات المواطنين الذين نُزعت ملكياتهم لصالح مشروعات عامة.

 

سنوات من الانتظار وسط تراجع قيمة التعويضات

 

وأوضح النائب أن بعض المواطنين، لا سيما في محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية ينتظرون الحصول على تعويضاتهم منذ أكثر من أربع سنوات، وهي فترة شهدت موجات متتالية من التضخم وتحرير سعر الصرف، ما أدى إلى انخفاض كبير في قيمة العملة المحلية، وبالتالي تآكل القيمة الحقيقية للتعويضات المقررة.

 

وأشار إلى أن تأخر صرف التعويضات دفع عدداً من المتضررين إلى بيع ممتلكاتهم أو استنزاف مدخراتهم لمواجهة أعباء المعيشة، فيما تحوّل بعضهم من مالكي وحدات سكنية إلى مستأجرين غير قادرين على دفع الإيجارات، ما تسبب في أزمات اجتماعية وصحية للأسر المتضررة.

 

وبحسب منصور، فإن معاناة المواطنين تفاقمت نتيجة غياب التنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة، وتأخر الإجراءات الإدارية والمالية، مؤكداً أنه خاطب الجهات المختصة لتوفير موظفين إضافيين في الإدارة المالية لهيئة المساحة بمحافظة الجيزة لإنهاء الملفات المتراكمة، من دون أن يتلقى استجابة حتى الآن.

 

شبهات مخالفة دستورية وقانونية

 

يشير طلب الإحاطة إلى أن استمرار تأخر صرف التعويضات قد يشكّل مخالفة صريحة لنصوص الدستور الذي ينص في مادته 35 على عدم جواز نزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل يُدفع مقدماً وفقاً للقانون.

 

كما يستند إلى قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته بالقانون رقم 187 لسنة 2020، الذي ينص على احتساب التعويض وفق الأسعار السائدة وقت صدور قرار المنفعة العامة، مع إضافة نسبة 20% من قيمة التقدير.

 

ورصد النائب عدداً من المخالفات، من بينها تأخر صرف التعويضات، وعدم احتسابها وفق الأسعار الفعلية، وإغفال نسبة الـ20% المنصوص عليها قانوناً، إلى جانب تقليل المساحات المحتسبة للوحدات السكنية عند التقييم، وتفاوت قيمة التعويضات بين مناطق متجاورة أو حتى داخل الحي الواحد.

 

كما أشار إلى حالات هدم عقارات من دون صرف تعويضات كاملة، أو إلزام بعض المواطنين باستخدام ما تبقى من أراضيهم لأغراض خدمية مثل مواقف السيارات من دون تعويض مناسب، إضافة إلى تعقيدات إدارية طُلبت من المواطنين لإتمام إجراءات ضم الأراضي المنزوعة إلى المشروعات العامة.

 

مشروعات الطرق في قلب الأزمة

 

تتركز أغلب الشكاوي في مناطق شهدت توسعات كبيرة في شبكات الطرق، الرابط بين محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية، مثل توسعة الطريق الدائري، ومحاور مرورية رئيسية أخرى، حيث تم نزع ملكية عدد كبير من العقارات لتنفيذ تلك المشروعات.

 

وبحسب تقديرات غير رسمية، أُزيل نحو 1200 عقار مأهول بالسكان في إطار توسعة الطريق الدائري، مقابل تعويضات وصفها متضررون بالهزيلة، إذ بلغت في بعض الحالات نحو 40 ألف جنيه للغرفة الواحدة، بما يصل إلى 160 ألف جنيه للوحدة السكنية المكونة من ثلاث غرف، في حين تتجاوز أسعار الوحدات السكنية المماثلة حالياً 800 ألف جنيه وقد تصل إلى مليون جنيه في بعض المناطق.

 

ومع الارتفاع الحاد في أسعار العقارات خلال السنوات الأخيرة، نتيجة التضخم وتراجع قيمة الجنيه، أصبحت قيمة التعويضات لا تمثل سوى نسبة محدودة من القيمة الفعلية للوحدات السكنية، ما عمّق شعور المتضررين بعدم العدالة.

 

وطالب النائب، الحكومة بوضع آليات واضحة وموحّدة لتقدير التعويضات، تشمل التعويض الاجتماعي وقيمة الأراضي والمباني، مع إعادة تقييم ما تم صرفه وفق الأسعار الحالية، وضمان توحيد المعايير بين الجهات المختلفة.

 

كما انتقد غياب البيانات التفصيلية المقدمة إلى البرلمان بشأن عدد المشروعات التي جرى فيها نزع ملكيات، وأعداد المواطنين الذين حصلوا على تعويضاتهم أو ما زالوا ينتظرونها، إضافة إلى عدم وضوح حجم التمويل المتاح لصرف التعويضات في بعض المشروعات.

 

ودعا منصور رئيس مجلس الوزراء إلى المثول أمام البرلمان لبحث الأزمة بشكل شامل، ووضع جدول زمني واضح لإنهاء ملف التعويضات، الذي وصفه بأنه تحول إلى أزمة إنسانية ومعيشية تمس مئات الآلاف من المواطنين.

 

خلفية تشريعية وتداعيات اقتصادية

 

يأتي تصاعد الجدل حول التعويضات في ظل تعديلات تشريعية أُقرت عام 2020 على قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، والتي منحت السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع لتسريع إجراءات نزع الملكية وتنفيذ مشروعات البنية التحتية، بما في ذلك الطرق والكباري.

 

غير أن تسريع الإجراءات لم يصاحبه، وفق منتقدين، نظام فعال وسريع لصرف التعويضات العادلة، ما أدى إلى فجوة بين وتيرة تنفيذ المشروعات وسرعة تعويض المتضررين.

 

ومع استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، تتزايد المطالب بإيجاد حلول عاجلة تضمن صرف التعويضات المستحقة وفق قيم عادلة، وتجنب تفاقم الأعباء الاجتماعية على المواطنين الذين فقدوا مساكنهم أو مصادر دخلهم نتيجة نزع الملكية لصالح المشروعات العامة.