في عام يُفترض فيه أن تُبطِّئ أسعار الفائدة الجنونية شهية الاقتراض، قفزت قروض الأفراد في البنوك المصرية بنحو 286 مليار جنيه خلال 2025، لتصل إلى 1.44 تريليون جنيه مقابل حوالي 1.15 تريليون في ديسمبر 2024، وفق البيانات المتداولة. هذه الزيادة الضخمة، رغم مستويات الفائدة التي يقترب فيها العائد الأساسي من 20–21%، تعني ببساطة أن ملايين المصريين لا يستدينون لتحسين حياتهم، بل للبقاء على قيدها، في اقتصاد تآكلت فيه الأجور أمام موجات التضخم المتلاحقة.

 

وراء هذه الأرقام حكاية مجتمع يُدفَع بالتدريج من منطق “المرتب يكفينا بالعافية” إلى منطق “القسط قبل الأكل”، بينما تتباهى البنوك بأرباح تاريخية، وتصر الحكومة على أن النظام المصرفي “قوي ومستقر”، متجاهلة أن استقرار الميزانيات لا يعني استقرار حياة الناس.

 

ديون تكبر أسرع من الأجور

 

بيانات البنك المركزي تظهر أن قروض الأفراد تجاوزت 1.33 تريليون جنيه بنهاية أغسطس 2025، بزيادة تقارب 18% عن ديسمبر 2024، قبل أن تواصل الصعود إلى نحو 1.44 تريليون بنهاية العام، في وقت لم ترتفع فيه الأجور الحقيقية بنفس الإيقاع، بل تآكلت بفعل التضخم المزمن.

 

الخبير الاقتصادي هاني توفيق لفت قبل شهور إلى أن جزءاً كبيراً من “النمو” الذي يُسوَّق رسمياً في الاقتصاد المصري مدفوع بالإنفاق الاستهلاكي الممول بالديون، مشيراً إلى ارتفاع لافت في القروض الاستهلاكية، وزيادة كبيرة في عدد المقترضين خلال فترة قصيرة، بما يكشف – من وجهة نظره – هشاشة هذا النمو لأنه يقوم على الاستدانة لا على إنتاج حقيقي.

 

هذا التحليل ينسجم مع ما حذّرت منه الخبيرة المصرفية سلوى العنتري في سياق آخر، عندما انتقدت اعتماد الحكومة على التوسع في الاقتراض لزيادة الاحتياطيات بدلاً من تحسين أداء الاقتصاد الحقيقي، معتبرة أن “مصدر التحسن هو الاستدانة، لا زيادة التنافسية والإنتاج”. المنطق نفسه يمكن إسقاطه على الأسر: تحسُّن مؤقت في القدرة على الاستهلاك عبر القروض لا يعني خروج الناس من أزمتهم، بل تأجيل الانفجار إلى موعد الاستحقاق.

 

ومع ارتفاع أسعار الفائدة الأساسية إلى مستويات تاريخية، تقترب فيها تكلفة الاقتراض الفعلية للأفراد من 25–30% سنوياً في كثير من المنتجات، يصبح كل جنيه جديد من القروض التزاماً ثقيلاً في المستقبل، في اقتصاد لا يَعِد العامل المصري لا بأجر عادل ولا بأمان وظيفي، بل بمزيد من الضغط وساعات عمل أطول فقط. 

 

البنوك تربح… والمواطن يدفع ثمن “نمو” قائم على الاستدانة

 

الخبير الاقتصادي أحمد شوقي حذّر في تصريحات صحفية من أن طفرة القروض الشخصية وبطاقات الائتمان في العامين الأخيرين لعبت دوراً محورياً في تحقيق أرباح قياسية للبنوك، لكنها في المقابل رفعت هشاشة الأوضاع المالية للأسر، وزادت من احتمالات تعثر واسع إذا تعرّض سوق العمل لهزة أو تراجعت تحويلات العاملين في الخارج.

 

في الوقت نفسه، يشير الخبير المصرفي محمد عبد العال إلى أن البنوك دخلت في سباق محموم على جذب عملاء جدد للقروض الاستهلاكية، باعتبارها “أقل مخاطرة” من تمويل الإنتاج، بفضل ربط الأقساط مباشرة بالرواتب أو تحويل المرتبات على البنك، ما يحوّل دخل العامل إلى “رهينة” للأقساط قبل أن يصل إلى يده.

 

بهذا تصبح المعادلة واضحة:

 

•  البنوك تحقق أرباحاً تاريخية مدفوعة بفوائد مرتفعة على قروض الأفراد.
•  الحكومة تستفيد من توسع البنوك في الإقراض، لأنه يخفف الضغط الفوري على موازنتها ويُسكّن الغضب الاجتماعي عبر جرعات سيولة قصيرة العمر.
•  الأسر وحدها تتحمل فاتورة مزدوجة: غلاء أسعار أساساً، ثم أقساط تسحب ما تبقّى من الدخل.

 

هاني توفيق يرى أن هذا النموذج جزء من “ثقافة استهلاكية” يجري تكريسها، تدفع الناس إلى شراء السلع بالتقسيط بدل تحسين قدرتهم الإنتاجية أو الادخارية، ما يضع الاقتصاد كله في مسار هش لا يبنى على الاستثمار في الصناعة أو الزراعة، بل على تجارة الديون، من شهادات ادخار بفوائد عالية إلى قروض شخصية تخنق المستهلك.

 

وفي الخلفية، تظل السياسات الحكومية منحازة إلى حماية ربحية البنوك عبر تثبيت أسعار فائدة حقيقية مرتفعة، بينما لا تُطرح أي رؤية جادة لرفع الأجور أو تخفيف كلفة المعيشة، بل يُقدَّم “تيسير الاقتراض” كإنجاز اجتماعي، وكأن الحل للفقر هو مزيد من الديون.

 

فخ اجتماعي واقتصادي مفتوح بلا شبكة أمان

 

الخبير الاقتصادي هشام حمزة نبّه إلى أن وتيرة نمو القروض الاستهلاكية أصبحت “أسرع بكثير من نمو الدخول”، وأن استمرار هذا المسار يفتح الباب أمام “فقاعة مديونية” إذا تعرضت البلاد لصدمة جديدة، مؤكداً أن جزءاً من المقترضين يستخدم القروض لسد احتياجات أساسية لا لشراء كماليات، وهو ما يعني أن أي تعثر محتمل سيكون له طابع اجتماعي واسع، لا مجرد حالات فردية معزولة.

 

وفق بيانات رسمية، لا يتجاوز عدد المؤمن عليهم اجتماعياً حوالي 9.1 ملايين من أصل أكثر من 31 مليون مشتغل، أي أن أقل من ثلث العاملين فقط يتمتعون بأي نوع من الحماية التأمينية، بينما الغالبية يعملون بلا تأمين ولا معاش ولا تعويض حقيقي عند البطالة أو المرض. في ظل هذه الهشاشة، يصبح الاعتماد على القروض الاستهلاكية لتسكين الألم الاقتصادي اليومي بمثابة وصفة مؤكدة لكارثة مؤجلة.

 

سلوى العنتري دعت مراراً إلى التحذير من نموذج اقتصادي يعتمد على الاستدانة – سواء على مستوى الدولة أو الأفراد – معتبرة أن توسيع قاعدة الدين دون شفافية أو رقابة حقيقية يُضعف العدالة الاجتماعية، ويحوّل الموارد من جيوب الفئات الأضعف إلى أصحاب الفوائض المالية والمؤسسات المالية الكبرى.

 

أمام هذا المشهد، لا يكفي أن يتحدث المسؤولون عن “سلامة الجهاز المصرفي”، فالسؤال الحقيقي: هل ميزانيات الأسر سالمة؟

 

ما يحتاجه المصريون ليس المزيد من عروض “القرض في 24 ساعة”، بل سياسات تُقلِّل حاجة الناس للاقتراض أصلاً:

 

•  أجر حقيقي يكفي حياة كريمة.
•  أسعار يمكن احتمالها.
•  شبكة أمان اجتماعي تحمي من المرض والبطالة.

 

من دون هذه الأسس، ستواصل قروض الأفراد القفز عاماً بعد عام، وستبدو الأرقام على شاشات البنوك براقة، بينما الواقع اليومي يقول إن ملايين المصريين يعيشون اقتصاداً يقوم على “السلف”، لا على الحق في حياة كريمة بلا ديون.