لا يمرّ مصري تقريبًا إلا ويصطدم باسم حسن علام أو شعار مجموعته القابضة في كل مشروع إنشائي ضخم: المتحف المصري الكبير، القطار السريع، الخط الرابع للمترو، محطات الكهرباء والتحلية، والنهر الأخضر في العاصمة الإدارية. قصة تبدو – في السردية الرسمية – حكاية “رأسمالية وطنية ناجحة” ورجل أعمال “يساهم في التنمية”.

 

لكن الوجه الآخر، كما تكشفه تحقيقات صحفية استقصائية، هو بنية تهرّب / تجنّب ضريبي معقّدة، تستفيد من عقود حكومية ممولة بالديون، وتحوّلها إلى أرباح دولارية ضخمة تُهرَّب إلى ملاذات ضريبية في هولندا وويلز وغيرها، بينما تُترك الفاتورة الثقيلة على كاهل ملايين المصريين، الذين يدفعون ثمن “التنمية” مرتين: مرة من المال العام، ومرة من أقساط الديون وفوائدها، في اقتصاد يعيش واحدة من أسوأ أزماته التاريخية.

 

مقاول الدولة المفضَّل: عقود بالمليارات.. وديون على الخزينة

 

خلال العقد الأخير، تحوّلت مجموعة حسن علام – إلى جانب مجموعة أوراسكوم لعائلة ساويرس – إلى المستفيد الأكبر من موجة المشروعات الضخمة التي أغرقت مصر في ديون بمليارات الدولارات. بعض الأمثلة وحدها كافية لتوضيح حجم النفوذ:

 

•  إدارة وتشغيل المتحف المصري الكبير، بتكلفة إجمالية تقترب من 1.2 مليار دولار، ضمن تحالف دولي تقوده المجموعة منذ أبريل 2021.

 

•  تنفيذ مشروعات حيوية مثل الخط الرابع لمترو الأنفاق، ومحطة سكة حديد صعيد مصر في بشتيل، والقطار السريع المموَّل بقرض صيني قيمته 1.5 مليار دولار.

 

•  المشاركة مع أوراسكوم في مشروع النهر الأخضر بالعاصمة الإدارية على مساحة تتجاوز 600 فدان من المسطحات الخضراء.

 

•  حصة واسعة من عقود محطات تحلية المياه ضمن خطة حكومية تعِد بضخ 50 مليار دولار في تنمية الموارد المائية، بينها 4 مليارات دولار ضُخت بالفعل في إنشاء وتشغيل وصيانة محطات تحلية حصلت المجموعة على نصيب معتبر منها.

 

•  توسّع في محطات الكهرباء والطاقة المتجددة بالشراكة مع شركة أكوا باور السعودية، في سياق سياسة توسع كهربائي ممول بالديون الخارجية.

 

هذه المشروعات لم تُموَّل من فوائض اقتصادية حقيقية، بل عبر آلية EPC+F؛ أي أن شركة المقاولات لا تنفذ الأعمال الهندسية والتوريدات والإنشاءات فقط، بل تتولى أيضًا ترتيب التمويل. عمليًا، تحصل الشركة على مستحقاتها بالدولار من القروض التي تفاوض عليها، بينما تتحمل الدولة أصل الدين والفوائد.

 

من زاوية “البزنس”، لا يبدو في ذلك غضاضة: شركة تنفذ، فتتقاضى. لكن من زاوية العدالة الاقتصادية، تصبح الصورة قاتمة: أرباح دولارية هائلة تتدفق إلى شركات خاصة ومجموعات رأسمالية بعينها، بينما تُحشر الدولة في زاوية خدمة الدين، وتتآكل قدرتها على الإنفاق الاجتماعي، ويُطلب من المصريين “تحمّل الإصلاح” وغلاء الأسعار باعتباره قدرًا لا فكاك منه.

 

من القاهرة إلى أمستردام: هندسة الأرباح وتآكل الوعاء الضريبي

 

التحقيق الاستقصائي الذي استندت إليه المنصات الحقوقية والاقتصادية لا يكتفي بوصف استفادة المجموعة من العقود الحكومية، بل يفتح ملفّ نقل الأرباح إلى الملاذات الضريبية.

 

بحسب هذه التحقيقات، حققت مجموعة من شركات حسن علام في عام 2023 وحده أرباحًا تقارب 37 مليون دولار (أكثر من 1.5 مليار جنيه وقتها). بدل أن تُترجم هذه الأرباح إلى ضرائب مستحقة ودولارات تظل داخل السوق المصري لدعم موقف العملة واستقرار المالية العامة، جرى توظيف هندسة معقدة تسمح بنقلها خارج البلاد عبر شبكة من الشركات القابضة الخارجية.

 

المعطيات المذكورة تتحدث عن نحو 30 شركة جرى تأسيسها في ملاذات ضريبية أوروبية، بينها 22 شركة في هولندا، إلى جانب كيانات في ويلز وغيرها. جوهر الفكرة بسيط وخطير في آن واحد:

 

•  نقل ملكية الشركات العاملة في مصر إلى شركات “أم” في الخارج، أو تأسيس شركات جديدة في مصر مملوكة منذ البداية لكيانات خارجية في تلك الملاذات.

 

•  الأرباح المتحققة في مصر تُحوّل قانونيًا كأرباح لشركات هولندية أو غيرها، حيث الضرائب إما منخفضة جدًا أو شبه منعدمة، وحيث السرية المالية أعلى، وحيث لا تملك الدولة المصرية سلطة رقابة فعلية.

 

•  في الوقت نفسه، يجري تخفيض الأرباح الدفترية داخل مصر من خلال ترتيبات محاسبية ورسوم استشارات وقروض داخلية بين الشركات التابعة والقابضة، بما يقلل الوعاء الضريبي المستحق للمالية المصرية.

 

بهذا المعنى، تتحول مصر إلى سوق لتنفيذ المشروعات ومصدرًا للديون، بينما تتحول هولندا والملاذات الشبيهة إلى مقرات لتحصيل الأرباح. وهذه الممارسات – كما يشير التحقيق – تتعارض مع روح (وربما نص) الاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف التي وقّعت عليها مصر عام 2020 لمكافحة تآكل الوعاء الضريبي ونقل الأرباح (BEPS)؛ أي نقل الأرباح بعيدًا عن البلد الذي تمارس فيه الأنشطة الاقتصادية الفعلية وتُخلق فيه القيمة.

 

النتيجة السياسية والاجتماعية واضحة: الفقراء يدفعون ثمن المشروعات من خلال الضرائب غير المباشرة والتقشف وارتفاع الأسعار، بينما تُهرَّب ثمار تلك المشروعات إلى حسابات شركات خارجية، تتلطّى خلف عبارات مثل “تحسين بيئة الاستثمار” و“حرية حركة رؤوس الأموال”.

 

كلهم حسن علام: نظام سياسي يحرس الرأسمالية الكبرى ضد المجتمع

 

القضية ليست حالة فردية لرجل أعمال واحد، بل نمط متكرر في قمة هرم الرأسمالية المصرية. التحقيق يشير إلى أن ناصيف ساويرس، عبر أوراسكوم، يتركّز ثلثا نشاطه في مصر، بينما تتركز أرباح مجموعته في جزر العذراء البريطانية وهولندا وغيرها من الملاذات الضريبية. الأمر نفسه يتكرر في حالة النسّاجون الشرقيون بعد نقل الملكية إلى شركة وهمية خارجية، وفي صفقات هشام طلعت مصطفى التي نُقلت فيها ملكية سبعة فنادق مصرية تاريخية لمستثمرين إماراتيين عبر ترتيبات مسجَّلة في ملاذات ضريبية.

 

القاسم المشترك هنا ليس “ذكاءً استثماريًا” بقدر ما هو تحالف بين سلطة سياسية محصّنة ورأسمالية كبرى محمية؛ سلطة تفتح أبواب العقود والخصخصة وبيع الأصول، وتغلق في المقابل أي مسار حقيقي للمساءلة أو الرقابة الشعبية أو الصحافة الحرة.

 

هذه البنية تجعل من مصر – كما يصفها منتقدون – نظامًا سياسيًا لخدمة طبقة رجال الأعمال:

 

•  الدولة تقترض،

 

•  الشركات تنفّذ وتربح بالدولار،

 

•  الأرباح تُهرَّب أو تُنقل إلى الخارج بتسهيلات قانونية ومحاسبية،

 

•  الخزانة العامة تتحمل أعباء السداد،

 

•  المواطن العادي يُطلب منه شد الحزام وقبول خفض الدعم وارتفاع الأسعار باسم “الإصلاح” و“الاستقرار”.

 

في هذا السياق، لا يعود السؤال: هل حسن علام أو غيره “وطني” أم لا؟ بل يصبح السؤال الأهم: أي وطن هذا الذي يُختزَل في تحالف ضيق بين سلطة وطبقة رأسمالية، بينما يُعامل ملايين المصريين كممولين صامتين لثروات تتضخم فوق أنقاض أصولهم وحقوقهم؟