في لحظات بكاء الطفل أو نوبات غضبه، يجد كثير من الأهالي أنفسهم تحت ضغط الوقت أو الإحراج في الأماكن العامة أو الإرهاق النفسي. عندها تُتخذ قرارات سريعة بنيّة التهدئة -هاتف يقدم على عجل وتجاهل يقصد به تعليمه الاعتماد على نفسه- أو محاولة إسكات الانفعال بأي وسيلة متاحة. وغير أن أبحاثا حديثة في علم نفس النمو تشير إلى أن بعض هذه الممارسات الشائعة -رغم حسن النية- قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وتزيد من توتر الطفل بدلا من تخفيفه.
التهدئة السريعة.. هل هي دائما الحل؟
يميل كثير من الأهالي إلى الاعتقاد بأن الهدف الأساسي عند بكاء الطفل هو إيقاف البكاء بأسرع وقت ممكن. إلا أن باحثين في مجال تطور الدماغ يؤكدون أن البكاء والانفعال ليسا مشكلة بحد ذاتهما، بل هما جزء من عملية تعلم الطفل للتعامل مع مشاعره.
وفي دراسة أعدّتها الباحثة كلانسي بلير من جامعة نيويورك، أوضحت أن الأطفال لا يولدون بقدرة جاهزة على تهدئة أنفسهم، بل يطورون هذه القدرة تدريجيا عبر تفاعلهم مع الراشدين الذين يساعدونهم على فهم مشاعرهم وتنظيمها.
وتشير الدراسة إلى أن التهدئة الفورية دون الاعتراف بالمشاعر أو تسميتها قد تحرم الطفل من المرور بالتجربة الكاملة للانفعال، وهي تجربة ضرورية لبناء مهارات التنظيم العاطفي لاحقا.
التشتت بالشاشة.. هدوء مؤقت بثمن طويل
من أكثر أساليب التهدئة شيوعا إعطاء الطفل الهاتف أو تشغيل فيديو كرتوني عند الغضب، وغالبا ما ينجح هذا الأسلوب في إيقاف البكاء بسرعة، لكنه لا يساعد الطفل على فهم مشاعره أو التعامل معها.
ووجدت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة جورنال بينا باود (Jurnal Pena PAUD) وأعدّتها باحثات من جامعة هالو أوليو في إندونيسيا، أن الأطفال الذين يُستخدم الهاتف كوسيلة أساسية لتهدئتهم يظهرون صعوبة أكبر في التحكم بانفعالاتهم مقارنة بأقرانهم. وأوضحت الدراسة أن الاعتماد المتكرر على الشاشات:
- يضعف قدرة الطفل على تسمية مشاعره.
- يؤخر تطور مهارات التنظيم العاطفي.
- يربط الشعور بالهدوء بمحفّز خارجي دائم.
وتدعم هذه النتائج دراسة أخرى أعدّها باحثون من جامعة "فيلنيوس" أكبر وأقدم جامعة في ليتوانيا، إذ أظهرت أن زيادة وقت الشاشة ترتبط بارتفاع حدة الانفعالات وصعوبة السيطرة على المشاعر لدى الأطفال في سن مبكرة.
تجاهل المشاعر.. بين التربية والإهمال
يلجأ بعض الأهالي إلى تجاهل بكاء الطفل أو انفعاله اعتقادا بأن ذلك يساعده على "الاعتياد" أو بناء القوة النفسية. غير أن مختصين يميزون بوضوح بين منح الطفل مساحة ليهدأ، وبين تجاهل مشاعره بالكامل.
وفي دراسة أعدّها فريق بحثي من جامعات أمريكية ونُشرت في مجلة جورنال أوف أبلايد ديفلوبمنتال سايكولوجي (Journal of Applied Developmental Psychology)، تبيّن أن تجاهل المشاعر بشكل متكرر يرتبط بارتفاع مستويات القلق والتوتر لدى الأطفال وبضعف قدرتهم على تنظيم انفعالاتهم لاحقا، كما تشير الدراسة إلى أن الطفل الذي لا يجد اعترافا بمشاعره قد يتعلم، مع الوقت، أن مشاعره غير مهمة والتعبير عن الانزعاج غير مقبول وطلب الدعم لا جدوى منه. وهي رسائل نفسية صامتة قد ترافقه إلى مراحل عمرية لاحقة.
الاحتواء بدل الإلغاء
الاحتواء العاطفي لا يعني التدليل المفرط أو الاستجابة لكل نوبة غضب، بل يقوم على الاعتراف بالمشاعر مع الحفاظ على الحدود. وفي مراجعة علمية نُشرت في قاعدة بيانات ببمد (PubMed)، خلصت إلى أن تفاعل الأهل مع مشاعر الطفل وتسميتها بالكلمات، يلعب دورا محوريا في بناء وعيه العاطفي، حتى في البيئات التي لا يمكن فيها تجنّب الشاشات كليا، ويبدأ الاحتواء بجمل بسيطة مثل:
- "أرى أنك غاضب"
- "أفهم أنك منزعج"
- "أنا هنا معك حتى تهدأ"
هذه العبارات تساعد الطفل على ربط الإحساس بالكلمة، وهي خطوة أساسية في بناء الذكاء العاطفي.
كيف نهدّئ الطفل دون زيادة توتره؟
يوصي مختصون في نمو الطفل بعدد من الخطوات العملية:
- خفض نبرة الصوت بدل رفعها.
- البقاء قريبا جسديا دون فرض تلامس.
- منح الطفل وقتا آمنا للهدوء.
- تأجيل الشرح أو العقاب إلى ما بعد زوال الانفعال.
فالطفل المتوتر لا يتعلّم، بل يحتاج أولا إلى الشعور بالأمان. وليس الهدف إيقاف بكاء الطفل بأسرع وقت، بل مساعدته على فهم ما يشعر به ومنحه الأدوات اللازمة لبناء قدرة داخلية على التنظيم العاطفي. ومع الوقت، يتحوّل هذا الدعم إلى مهارة ترافقه في المدرسة والعلاقات والحياة اليومية. وإذا تكررت نوبات التوتر بشكل مفرط أو تأثيرها على حياة الطفل اليومية، يُنصح بمراجعة مختص في الصحة النفسية للأطفال.

