تسعى وزارة النقل المصرية إلى تحويل محور النقل الشرقي–الغربي داخل الإسكندرية عبر تطوير خط أبو قير القائم إلى “مترو الإسكندرية/أبو قير”، وربطه لاحقًا بمشروع القطار الكهربائي السريع المتجه إلى بورسعيد ضمن ما يُطرح كخط رابع لشبكة القطارات الكهربائية السريعة.

الفكرة تبدو بسيطة: شبكة واحدة “متكاملة” تقلل زمن الرحلة وتزيد السعة وتُخفّف ضغط الطرق. لكن سؤال الاقتصاد يظل حاضرًا: هل العائد التشغيلي والاجتماعي يوازي كلفة الاستثمار والتمويل بالعملة الصعبة؟

 

ماذا يعني الربط عمليًا لمنظومة النقل؟

 

وفق بيانات رسمية وتقارير تمويل دولية، المرحلة الأولى من مترو أبو قير تمتد بطول يقارب 21.7 كم من منطقة أبو قير حتى محطة مصر، وتتضمن محطات/أعمال بنية أساسية وتطويرًا جذريًا لخط قائم (رفع كفاءة، كهربة، محطات أكثر ملاءمة وإتاحة).

الهدف المعلن هو نقل الخط من نمط “قطار محلي بقدرة محدودة” إلى خدمة أقرب للمترو من حيث الانتظام والسعة وتقليل زمن التقاطر.

 

أما “الربط” بالقطار الكهربائي السريع، فجوهره إنشاء نقطة تبادل خدمة (Interchange) في أبو قير الجديدة بحيث يستطيع الراكب الانتقال بين مترو المدينة وخط إقليمي سريع يمر عبر محافظات الدلتا الشمالية وصولًا إلى بورسعيد.

الجهة الرسمية المسؤولة عن تنظيم الاتصالات/المواقع الحكومية تُشير إلى أن هذا المسار الإقليمي يصل طوله إلى نحو 250 كم وبعدد 14 محطة، وهو ما يرفع قيمة المشروع من “تحسين داخل المدينة” إلى “ممر إقليمي” يغيّر أنماط التنقل والعمل.

وفي الجانب التنفيذي، تشير التقارير إلى الاعتماد على خدمات استشارية وإدارة تنفيذ من شركات دولية؛ ومن الأسماء المُعلنة في وثائق سابقة تعيين Egis لأدوار دعم وحدة التنفيذ والإشراف وإدارة العقود.

(تتداول بعض المنصات أسماء/أرقامًا مختلفة لعقود استشارية، لكن المُوثق بوضوح في المصادر المتاحة هو تعيين Egis ضمن حزمة الخدمات الاستشارية).

 

مكاسب اقتصادية محتملة: وقت أقل، إنتاجية أعلى، وتنمية موجهة بالمحطات

 

من زاوية اقتصاديات النقل، حجة المؤيدين قوية: تقليل زمن الرحلة وزيادة الاعتمادية يترجمان إلى “عائد وقت” للمواطنين والشركات، وتقليل فاقد الإنتاجية الناتج عن التكدس المروري.

هذا يتقاطع مع رأي د. مصطفى العريبي (كما أوردتَ): النقل الجماعي عالي السعة قد يكون استثمارًا استراتيجيًا إذا أُدير بكفاءة تشغيلية وتم دمجه في خطة مستدامة، لأنه يخفض تكلفة النقل على الأسر ويزيد الإنتاجية ويقلل الضغط على الطرق.

 

الأثر لا يقتصر على الركاب. الربط الإقليمي بخط سريع قد يفتح منفذًا أفضل لحركة العمالة بين المدن الساحلية والدلتا الشمالية، ويعطي دفعة لقطاعات مثل السياحة الداخلية وسلاسل الإمداد الخفيفة.

وحتى إن كانت خطوط الركاب ليست “خط بضائع”، فإن تحسين الاتصال الإقليمي غالبًا ما يرفع جاذبية الاستثمار الخاص قرب المحطات (تجارة، خدمات، إسكان متوسط الكثافة).

 

هنا تأتي نقطة د. هالة رشاد: إنفاق البنية التحتية “المكلف” قد يبدو مخاطرة في ضيق الموارد، لكنه يتحول إلى “محفز اقتصادي” إذا ارتبط بتطوير عمراني وصناعي واقعي حول المحطات، لا مجرد إنشاءات منفصلة عن السوق.

باختصار: قيمة المشروع ترتفع جدًا إذا تحوّل إلى نموذج تنمية موجهة بالنقل (TOD) تُولّد إيرادات من الأراضي/الأنشطة وتخفف الاعتماد على الدعم المباشر.

 

أين الخطر؟ التمويل الأجنبي، كلفة التشغيل، وصدمة الأسعار على المستخدم

 

في المقابل، التحذير المركزي ليس “ضد النقل” بل ضد طريقة التمويل والتشغيل.

بعض وثائق التمويل تُظهر أن المشروع يعتمد على حزمة تمويل وتشارك بين مؤسسات دولية (مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وبنك الاستثمار الأوروبي والوكالة الفرنسية للتنمية ومعها البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية) إلى جانب الحكومة المصرية.

هذا يخفف الضغط الفوري على الموازنة، لكنه يرفع حساسية المشروع لمخاطر العملة والفوائد وسداد الالتزامات إذا لم تُولد التشغيلية تدفقات نقدية كافية. 

 

وهنا يتفق ذلك مع ما أوردته عن د. أحمد عبد الرحمن: تعقيد التمويل الخارجي وتحميل الديون بالعملة الصعبة قد يصبح عبئًا إذا تراجعت الإيرادات أو ارتفعت التكاليف.

كما أن أي قفزة في سعر التذكرة لتقليل الدعم قد تُحدث “إقصاءً سعريًا” للفئات التي يفترض أن يخدمها المترو أساسًا—وهو ما ظهر كهاجس شعبي في مشروعات تطوير نقل أخرى بالإسكندرية وفق تغطيات حديثة عن إغلاق/تحويل خطوط تاريخية وما صاحبه من مخاوف من ارتفاع الكلفة على الركاب.

 

كما أن مخاطر التنفيذ ليست نظرية: إيقاف خط قائم لفترة إنشاءات طويلة يعني “تكلفة انتقالية” على المدينة (زحام، وقت إضافي، حلول بديلة غير كافية). النجاح الاقتصادي هنا يرتبط بإدارة هذه المرحلة الانتقالية بدقة، لأن خسائر الوقت اليومية قد تلتهم جزءًا من مكاسب المستقبل إذا طال التأخير.

 

“إنقاذ النقل” ممكن… بشرط ألا يتحول المشروع إلى فاتورة دائمة

 

ربط مترو الإسكندرية بالقطار السريع يمكن أن يكون خطوة نوعية لإنقاذ النقل إذا تحقق 3 شروط متزامنة:

 

  1. تشغيل يعتمد على كثافة خدمة حقيقية وسعر تذكرة قابل للتحمل مع دعم مُوجّه لا دعم عشوائي،
  2. نموذج تمويل يقلل مخاطر العملة عبر مزيج منح/قروض ميسّرة وإيرادات غير تذكارية (أراضٍ، إعلانات، تطوير محطات)،
  3. تنمية اقتصادية حول المحطات تُحوّل الشبكة إلى مُولّد نشاط لا مجرد “مرفق عام”.

 

بدون هذه الشروط، قد يتحول الربط إلى مشروع مُبهر هندسيًا لكنه مرهق ماليًا—خصوصًا في اقتصاد يعاني أصلًا من ندرة العملة الصعبة وتضخم كلفة الاقتراض، وهو ما عبّر عنه أيضًا رجال أعمال مثل نجيب ساويرس حين تُطرح أسئلة عن حجم المشروعات الكبرى وأولوياتها.