ينما ينتظر المصريون شهر رمضان كمساحة نفسية للهروب من واقع الغلاء والخنق اليومي، قفزت أسعار فوانيس 2026 قفزات جنونية حوّلت واحدة من أبسط مظاهر البهجة إلى عبء جديد على ميزانية البيت.

أرقام رسمية من شعبة الهدايا ولعب الأطفال تؤكد ارتفاع الأسعار بنحو 25% عن العام الماضي، مع تراجع الإنتاج المحلي إلى 30% فقط، في حين تكشف جولات الأسواق عن فوانيس تصل إلى 3500 جنيه، وكأننا في سوق لدولة نفطية لا في بلد يعاني أغلب سكانه من تآكل الدخل وغلاء السلع الأساسية.

 

قفزة 25% في الأسعار وإنتاج محلي ينهار إلى 30% فقط

 

بركات صفا، نائب رئيس شعبة الهدايا ولعب الأطفال بالاتحاد العام للغرف التجارية، يعترف صراحة بأن أسعار فوانيس رمضان 2026 ارتفعت بنسبة تقارب 25% مقارنة بالعام الماضي، تحت ذريعة ارتفاع تكاليف الإنتاج وزيادة مرتبات العمالة والمصنّعين وتكاليف النقل بعد زيادة أسعار الوقود.

لكن خلف هذه الأسباب المباشرة تقف أزمة أعمق: سياسات اقتصادية جعلت كل موسم فرصة لرفع الأسعار، وكل سلعة – حتى لو كانت مرتبطة بالتراث والفرح – جزءًا من معركة البقاء بين تاجر ومستهلك.

 

الأخطر في كلام صفا ليس نسبة الزيادة فقط، بل إقراره بأن الإنتاج المحلي من الفوانيس تراجع إلى نحو 30%، ما يعني أن السوق بات معتمدًا بدرجة أكبر على المستورد أو على مخزون سابق، في وقت يعاني فيه الدولار شحًا حادًا، وتُرفع فيه شعارات «دعم المنتج المحلي». النتيجة الطبيعية لهذا التناقض أن التاجر يحمّل المستهلك كل شيء: تكلفة الاستيراد، وتقلب سعر الصرف، وزيادة الجمارك، وفوائد الديون، ثم يخرج علينا من يحدثنا عن «تنوع يناسب كل الشرائح».

 

رغم ذلك، يتوقع صفا زيادة الطلب على فوانيس وزينة رمضان هذا العام، مستندًا إلى وجود مخزون من الفوانيس المستوردة والمحلية من الأعوام السابقة، وإلى أن المصري – المقهور اقتصاديًا – سيضغط على نفسه مرة أخرى من أجل إسعاد أطفاله ولو بفانوس واحد، حتى لو اقتطع ثمنه من بند أكثر أهمية في ميزانية البيت.

 

«فانوس التلفزيون».. استعراض طبقي بسعر 3500 جنيه في موسم روحاني

 

جولات ميدانية في الأسواق خلال يناير كشفت عن صورة فاضحة لفجوة اجتماعية تتسع كل عام.

في المقدمة، يقف ما يسمّى «فانوس التلفزيون» كرمز صارخ لهذا الاستعراض الطبقي؛ تصميم على شكل تلفاز أبيض وأسود مزوّد بإضاءة داخلية وأغانٍ رمضانية وزينة، يتراوح سعره بين 2600 و3150 جنيهًا لبعض الموديلات الملونة بالأحمر، بينما تقف قطع أخرى عند حدود 3500 جنيه، وكأننا نتحدث عن جهاز منزلي، لا عن فانوس موسمي عمره العملي أسابيع معدودة.

 

وسط هذه الصدمة، يتحصّن بعض التجار بحجة أن «الأسعار تختلف حسب التصميم والخامة والحجم»، لكن الحقيقة أن هناك من يدفع لتأكيد انتمائه الطبقي، أو لتصدير صورة «رمضان لا زال بخير» على منصات التواصل الاجتماعي، بينما الغالبية تتفرج من بعيد.

 

في المقابل، يحاول السوق أن يُظهر وجهًا «اقتصاديًا» في زاوية أخرى؛ فوانيس خشبية صغيرة تبدأ من 30 جنيهًا، وأحجام متوسطة تقف عند 165 جنيهًا، وكبيرة تصل إلى 500 جنيه. الفوانيس المعدنية الكلاسيكية تبدأ من 65 جنيهًا وتصل إلى 120 جنيهًا، مع عروض تضم الفانوس والشمعة بـ 85 جنيهًا.

هذه الأرقام تبدو على الورق «معقولة»، لكنها في واقع دخول تآكلت بفعل التضخم وارتفاع الأسعار تصبح ثقلًا إضافيًا؛ أسرة لديها ثلاثة أطفال ستجد نفسها أمام مئات الجنيهات لمجرد شكل رمضاني، في وقت تصعد فيه أسعار اللحوم والزيت والسكر إلى مستويات غير مسبوقة.

 

خيارات «لكل الشرائح» على الورق.. وحقيقة أن الزينة ترف لملايين الأسر

 

تتسع قائمة المعروضات لتشمل عالمًا كاملًا من الفوانيس الموجّهة للأطفال ولعشاق الديكور، لكنها تكشف أيضًا عن تحول الزينة الرمضانية إلى سلعة ترفية خالصة.

فوانيس الأطفال المزينة بشخصيات كرتونية مثل «سبايدر مان» و«سندريلا» و«ستيتش» تتراوح بين 225 و555 جنيهًا، بينما تتدرج الفوانيس البلاستيكية الخفيفة بين 165 و600 جنيه.

هذا يعني أن أسرة من أربع أفراد قد تصل فاتورة الفوانيس وحدها إلى أكثر من 2000 جنيه، إذا حاولت إرضاء كل طفل بنموذج «حديث» من تلك النماذج المبهرة.

 

في ركن آخر من السوق، تقف فوانيس الخرز اليدوية بأسعار تتراوح بين 265 و1000 جنيه حسب دقة الصنع، والفوانيس الزجاجية التي تبدأ من 165 جنيهًا وتصل إلى 1500 جنيه للموديلات الفاخرة، بجانب فوانيس LED «العصرية» التي تتراوح بين 200 و1150 جنيهًا، بحجة أنها موفرة للطاقة وتدوم لسنوات.

أما أطقم النحاس الكاملة – مبخرة وشمعدان وفانوس – فتبدأ من 1000 جنيه وتصل إلى 2000 جنيه، لتتحول الزينة إلى ما يشبه «مشروع استثماري» في بيت من الطبقة المتوسطة العليا أو رجال الأعمال.

 

كل هذا التنوع يوصف رسميًا بأنه «خيارات تناسب كافة الشرائح الاقتصادية»، بينما الواقع أن شريحة واسعة من المصريين باتت ترى الفانوس رفاهية مؤلمة، لا تستطيع تحملها في ظل أولوية الطعام والدواء والتعليم والمواصلات.

كثيرون سيكتفون هذا العام بصورة فانوس على الموبايل، أو زينة ورقية رخيصة، أو فانوس قديم يعاد استخدامه، لأن الدخول لم تعد تحتمل.

 

في النهاية، ما تكشفه أرقام فوانيس رمضان 2026 هو جزء من مشهد أكبر: اقتصاد يدفع الناس دفعًا إلى التخلي عن أبسط مظاهر الفرح، وسوق يغتنم كل مناسبة لرفع الأسعار، وغياب كامل لأي دور رقابي حقيقي يوازن بين حق التاجر في الربح وحق المواطن في أن يعيش موسمًا واحدًا في العام بلا ابتزاز.

رمضان، الذي يفترض أن يكون شهر السكينة والرحمة، يتحول تدريجيًا إلى موسم لعرض الفواتير والفوارق الطبقية، بينما الفانوس – الذي كان رمزًا بسيطًا لطفولة بريئة – صار مرآة صارخة لبلد يُطفئ النور في بيوت كثيرة، ويضيئه بزيادة في جيوب قلة قليلة.